تصاعد كلفة الطاقة يضع لبنان أمام اختبار اقتصادي قاس في ظل تداعيات الحرب

جريد الأنباء الكويتية 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

بيروت ـ داود رمال

يعيد توصيف «لبنان على حافة العتمة»، كما قدمه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، تسليط الضوء على البعد البنيوي لأزمة الطاقة في البلاد، بوصفها أزمة ترتبط بخيارات سياسية واقتصادية تراكمت منذ ما بعد الحرب اللبنانية، قبل أن تأتي التحولات الإقليمية، ولاسيما تداعيات الحرب الأخيرة، لتضع هذا القطاع أمام اختبار قاس يعكس مدى ضعف الدولة وقدرتها المحدودة على امتصاص الصدمات الخارجية.

في هذا السياق، يتبين أن أزمة الطاقة في لبنان لا يمكن اختزالها بارتفاع أسعار النفط، بل هي نتيجة نموذج ريعي قائم على الاستيراد الكامل للمشتقات النفطية، ما يجعل القرار الطاقوي مرتهنا للأسواق العالمية وللتوازنات الجيوسياسية. هذا الواقع يضع الدولة في موقع المتلقي للتأثيرات الخارجية، حيث يتحول أي اضطراب في الإمدادات أو الأسعار إلى أزمة داخلية متعددة الأبعاد، تمتد من الكهرباء إلى النقل وصولا إلى مجمل كلفة المعيشة، في ظل غياب سياسات وقائية أو بدائل استراتيجية.

ويبرز قطاع الكهرباء كمرآة لهذه الاختلالات، إذ تعكس وضعية مؤسسة كهرباء لبنان عمق الأزمة الهيكلية، سواء على المستوى المالي أو التشغيلي. فالمؤسسة التي يفترض أن تشكل العمود الفقري للأمن الطاقوي، باتت عاجزة عن تأمين أكثر من جزء محدود من الطلب، معتمدة على معامل حرارية تقليدية تعمل بالكامل على الوقود المستورد، ما يجعل إنتاجها رهينة لتقلبات الأسعار العالمية ولسعر صرف العملة الوطنية. وعليه، فإن تحسن التغذية في بعض الفترات لا يعكس استقرارا فعليا، بل يعبر عن حدود القدرة التشغيلية ضمن واقع مالي مأزوم.

في المقابل، تكشف الدراسة عن تحول نوعي في بنية القطاع، حيث لم تعد الدولة اللاعب الأساسي، بل أصبحت جزءا من منظومة غير مركزية تتصدرها المولدات الخاصة. هذا التحول، الذي نشأ كحل مؤقت، تطور ليصبح ركيزة أساسية في تأمين الكهرباء، ما يعكس تراجع دور الدولة لمصلحة اقتصاد ظل طاقوي يتسم بغياب التنظيم والعدالة. غير أن هذا البديل يحمل في طياته ضعفا موازيا، إذ يعتمد بدوره على مادة الديزل المستوردة، ما يجعله عرضة مباشرة لأي ارتفاع في أسعار النفط، ويحول كلفة الكهرباء إلى عبء متصاعد على الأسر.

ضمن هذا الإطار، تكتسب تداعيات الحرب الحالية بعدا مضاعفا، إذ لا تقتصر على ارتفاع كلفة الإنتاج الكهربائي، بل تمتد لتطال مجمل الدورة الاقتصادية. فارتفاع أسعار النفط ينعكس مباشرة على تعرفة المولدات، التي باتت تشكل المصدر الأساسي للكهرباء، ما يؤدي إلى زيادات كبيرة في الفواتير، ويضغط على القدرة الشرائية في بلد يعاني أصلا من تآكل الدخل. وفي الوقت عينه، يتأثر قطاع النقل، المعتمد شبه كليا على المشتقات النفطية، ما يؤدي إلى رفع كلفة التنقل والإنتاج والتوزيع، وبالتالي تغذية موجات تضخمية إضافية.

من منظور سياسي ـ اقتصادي، تكشف هذه المعطيات عن غياب استراتيجية وطنية متكاملة للأمن الطاقوي، حيث لم تنجح الحكومات المتعاقبة في الانتقال من إدارة الأزمة إلى معالجتها جذريا. كما تبرز محدودية القدرة التفاوضية للبنان في الأسواق الدولية، في ظل افتقاره إلى أدوات تنويع مصادر الطاقة أو بناء شراكات إقليمية مستدامة تخفف من ارتهانه الكامل للاستيراد.

وعليه، فإن أزمة الطاقة في لبنان تحولت إلى قضية سيادية تمس الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، وتضع الدولة أمام استحقاق إعادة صياغة سياساتها العامة في ظل بيئة إقليمية مضطربة. فبين ضعف الداخل وتقلبات الخارج، يبدو لبنان أكثر عرضة لأن يكون ساحة لتداعيات الأزمات الإقليمية، ما لم يبادر إلى إعادة بناء قطاعه الطاقوي على أسس أكثر استدامة واستقلالية.

أخبار ذات صلة

0 تعليق