نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الأرض وحقيقة الانتماء, اليوم الأحد 1 فبراير 2026 01:16 صباحاً
مع ابتداء القرن العشرين الميلادي أخذ العالم في التبدل بشكل كلي، فالمدن التي ألفها الإنسان ثابتة على حالها لقرون دون أن يتغير فيها شيء داخل أسوارها المحيطة، أخذ إزارها في التشقق يوما بعد يوم، حتى لم يبق لأسوارها أي أثر، وبدأت في التوسع جارفة كل ما حولها من قرى وبلدات صغيرة، وباتت مركزا رئيسا تهوي إليها أفئدة ساكني البلدات الصغيرة والقرى النائية بحكم المدنية التي أصبحت سمة العصر، وهو ما أدى إلى تلاشي القرى والبلدات الصغيرة جراء انتقال أهلها للمدينة، وبالتالي تمدد مسطحات البناء التي أزالت كل المساحات الخضراء المحيطة، وهكذا انتقلنا رويدا رويدا باسم المدنية والتحضر من حيوية الغابات الزراعية إلى جمود الغابات الاسمنتية، وتلك آفة العصر.
في الماضي كانت الحياة تدب في قلوب الناس، فتراهم متآلفين يسأل بعضهم عن بعض، لكونهم يعيشون في أرض خضراء مكتنزة بالحياة، ينتمون إليها ظاهرا وباطنا، يستشعرون عطاءها حين تثمر أغصانها، ويلمسون حزنها حين يتساقط ورقها، فكان أن تماهت أرواحهم معها، وانعكس ذلك الوفاء على ساكني المدينة الصغيرة التي تستمد قوتها من الريف، وتجدد أصالتها مع كل موسم وكل حصاد.
أما اليوم وبخاصة مع جيل الألفية، فلا حياة تدب في قلوبهم وهم في أروقة الغابات الاسمنتية، وصخب المدينة المليونية، التي أصبح كل من فيها غريبا عن أهله ومحيطه بل وغريبا عن ذاته، وصار الناس فيها مجرد أدوات وأرقام، لا يعرف الجار جاره، ولا يرى الأخ أخاه، والأسوأ أنهم فقدوا ارتباطهم بالمكان، وتلاشى إحساسهم بالحياة، فصاروا مواتا في أجساد لا روح فيها لكنها تمشي على الأرض.
إنها أحد ملامح الفردانية الرأسمالية التي دمرت المنظومة المجتمعية، وهي العولمة التي غيرت مفاهيم الانتماء، فالأرض التي ننتمي إليها باتت رقما في سوق العقار، مما أفقدنا خاصية الارتباط بها وجدانا، في الوقت التي كانت عظيمة في نفوسنا، غالية على قلوبنا، حين اكتنزت بتلك الأشجار الباسقة، التي نتنفس رحيقها، وتشتم هي عبق أجسادنا، فنتألم لألمها، ونفرح لخيرها، وهو ما يعزز من قيمة الانتماء، ويجعل المرء مرتبطا بأرضه ووطنه.
أسوق ما سبق كتقدمة لفيلم قصير صامت بعنوان «خليلة»، شارك في تمثيله كل من عبدالباري الدخيل ومهدي المرهون وآخرين، وأخرجه جواد الصايغ، ويرتكز في مضمونه على أبيات عميقة في دلالتها ومضمونها للأديبة الدكتورة أديم الأنصاري، حيث تحكي قصة روح ارتبط وجودها ووجدانها بأديم مزرعة حافلة بأمنا النخلة التي تريد الحياة لأبنائها، وأراد أبناؤها لها الموات، فتموت روح حبيبها بزوالها. حقا ما أجمل هذه الأبيات وأصدقها، وما أدق معناها العميق حيث تقول:
حدثيهم عن جذور تشبه النفس الأصيلة
واحملي بالتمر ما يشفي أمانينا العليلة
أخبريهم عن حكايا منذ أعوام طويلة
إن قطعتم نخلتي مت والذكرى الجميلة
قد قتلتم كيف يفدي قاتل منكم قتيله!
نخلتي يا نبض أرضي لن أرى عنك بديلة
سوف تبقين بقلبي وبعمري يا خليلة
أختم بالإشارة إلى فيلم «الأرض» وهو أحد أهم الأفلام المصرية التي أنتجت عام 1970م، من إخراج يوسف شاهين وبطولة محمود المليجي وعزت العلايلي وآخرين من نجوم الشاشة المصرية، وكتب قصته الأديب المصري الكبير عبد الرحمن الشرقاوي، وتدور أحداثه حول مزارع منتمٍ يموت وهو متشبث بجذور أرضه الزراعية.

















0 تعليق