نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
تسابق الشعوب الخليجية في عد الصواريخ والمسيّرات, اليوم الخميس 2 أبريل 2026 02:18 مساءً
في الحروب التقليدية، كان التسابق يُقاس بالخسائر، وعدد الضحايا، وحجم الدمار، واتساع رقعة الألم، أما في المشهد الخليجي الأخير، فقد انقلبت المعادلة على نحوٍ يثير التأمل؛ إذ تحوّل العد من إحصاء الفواجع إلى إحصاء ما تم تلافيه.
صار أهل الخليج يتداولون أرقام الصواريخ والمسيّرات التي وُجّهت نحو بلدانهم، وبوصفها اختباراتٍ نجحت قواتها المسلحة في تلافيها بكل فخار!
فعلى مدى أربعة أسابيع، عاشت دول الخليج تحت وقع تهديد إيراني مستمر، ساد الحذر أيامه الأولى، وخيّم الخوف الصامت على المجتمعات، وشدت الأعصاب أثناء اعتراض المقذوفات في السماء البعيدة، حتى لا تراها أعين الناس.
ومع تكرار المشهد، تكيفت الأنفس الخليجية ووثقت بالمنعة والسيطرة.
وعليه تحوّلت الأرقام إلى حديث يومي: كم صاروخًا حطم؟ كم مسيّرة تم اعتراضها؟
وعليه تحول الأمر إلى نوعٍ من رفاهية المقارنة غير المعلنة بلسان يقول: لقد واجهنا أكثر، وصمدنا أكثر، ولم ننكسر.
مفارقة عجيبة؛ أن يتحول الألم المحتمل إلى مادة للمباهاة، وأن تصبح القدرة على التحمّل عنوانًا للتماسك والرؤية الوطنية.
مشهد، لم يكن بلا جذور. فذاكرة الخليج لا تزال تحمل أصداء حرب تحرير الكويت، حين كان الخطر مرئيًا ومباشرًا، وكانت الصواريخ تُرى وتُسمع في فضاءات المدن.
والفارق الحالي يكمن في تنامي تكنولوجيا دفاعية سبقت الخطر بخطوات، واستعدادات لم تكن وليدة اللحظة، بل حصيلة سنوات من الاستثمار في الأمن والشراكات الدولية وتطوير القدرات العسكرية.
لقد أظهرت هذه المرحلة أن الجيوش الخليجية لم تكن في حالة خمول، فكانت تعمل بصمت، وتبني منظومات دفاعية معقّدة، وتؤسس لعقيدة ردع قائمة على الاستباق والاحتواء لجيرة لا تؤتمن!
قدرات دفاع لم تدهش الداخل الخليجي فحسب، بل لفتت أنظار العالم إلى نموذج دفاع وخطط بديلة ثبتت فعاليته تحت ضغط غير مسبوق.
وبرغم هذا الإصرار الإيراني على توسيع دائرة الاستهداف، عملت دول الخليج على عدم الانجرار لتوسيع نطاق التوتر، ما أوجب احتواء المشهد برمته.
دول الخليج، ورغم اختلاف علاقاتها وتباين مواقفها، وجدت كياناتها أمام عدو مشترك، عزّز من شعورها بوحدة المصير.
فلم تنجرّ إلى الحرب، ولم تمنح خصمها ما يريد من تصعيد شامل، بل تمسكت بخيارات التوازن، ضمن دفاعٌ صارم، وضبطٌ للنفس، واستمرار في صنع الحياة.
وهنا تتجلّى المفارقة الأكبر: في الوقت الذي كانت فيه الصواريخ تُعدّ في السماء، كانت المؤشرات الاقتصادية متوازنة على وجه الأرض، ترفض التهاوي.
بل إن بعض هذه الدول واصل نموه، وكأن الرسالة غير المعلنة تقول للعالم إن الاستقرار ليس غياب الخطر، بل القدرة على إدارة أزماته، دون أن يشوبه الخوف ويتمثل بالهزيمة.
إنها حكاية خليجية مثلى تُكتب بلغة مزدوجة: لغة احتواء الخطر، ولغة صنع الثقة.
إنها حكاية شعوب ناهضة تعلّمت أن تعدّ فرص النجاة، لا فرص للانغلاق ولا التهور أو الخوف!
دول كانت ترى في كل اعتراض مقذوف، شهادةً على جاهزيةٍ لم تأتِ من فراغ.
وبينما يستمر التسابق في عد الصواريخ والمسيّرات، يظل التسابق الأهم هو ذاك الذي لا يُرى: سباق الثبات، والتنمية، والاستقرار، وسباق الترقي والبقاء فوق مؤامرات ومطامح صانعي الفوضى والألم بكل أقنعتهم.


















0 تعليق