بين نشوة النجاح وتجاهل المخاطر

مكه 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
بين نشوة النجاح وتجاهل المخاطر, اليوم الثلاثاء 5 مايو 2026 11:21 مساءً


في السنوات الأخيرة، شهدنا صعود عدد كبير من الشركات الناشئة التي لم تكتف بالنجاحات، بل تحولت إلى كيانات مؤثرة، وبعضها شق طريقه إلى أسواق التداول الرئيسية والموازية. هذه النجاحات خلقت حالة من الزخم والطموح لدى رواد الأعمال، لكنها في الوقت ذاته أفرزت ظاهرة تستحق التوقف، وهي التوسع غير المحسوب، أو ما يمكن تسميته «نشوة النجاح» التي تغيب منطق احتساب المخاطر.

حين ينجح مشروع صغير ويكبر تدريجيا، يكون التحكم في تفاصيله أسهل بكثير؛ القرارات سريعة، والهياكل بسيطة، والتعقيدات الإدارية محدودة، والمتطلبات التنظيمية والقانونية سهلة. لكن هذا النموذج لا يمكن نسخه تلقائيا عند التوسع الكبير، فزيادة حجم الشركة يعني دخولها في مرحلة مختلفة كليا، وتتطلب حوكمة واضحة، وبناء مؤسسيا متكاملا ومتماسكا، وأنظمة رقابية، واستراتيجيات طويلة المدى، وعوامل استدامة. تجاهل هذا التحول النوعي يقود إلى فجوة بين الطموح والقدرة الفعلية على الإدارة ومواجهة التحديات.

المشكلة لا تتوقف عند الهيكل الداخلي، بل تمتد إلى قراءة المشهد الاقتصادي، فكثير من النجاحات تتحقق في ظروف مختلفة؛ نمو اقتصادي، وقوة إنفاق، وفرص مناسبة. لكن الخطأ الشائع هو افتراض أن هذه الظروف ستبقى ثابتة. الواقع يقول إن الأسواق متغيرة بطبيعتها، وإن ما كان فرصة بالأمس قد يتحول إلى تحد اليوم. وتجاهل الدورات الاقتصادية والتقلبات المحتملة يعد مخاطرة كبيرة، خصوصا عند اتخاذ قرارات توسع ضخمة.

من زاوية أخرى، يندفع بعض رواد الأعمال نحو أسواق جديدة أو قطاعات أكبر دون تقدير كاف لمستوى المنافسة. فتح الأسواق لا يعني خلوها من اللاعبين، بل على العكس، قد يكون الدخول متأخرا في سوق مشبع، أو في بيئة تنافسية عالية تتطلب قدرات مختلفة كليا عما نجح في البدايات. هذا التباين بين طبيعة السوق الجديدة وخبرة رائد الأعمال قد يخلق تحديات غير متوقعة.

وما يزيد من تعقيد المشهد، أن بعض هذه التوسعات تبنى على وعود استثمارية متفائلة، تستند إلى نجاحات سابقة دون تحليل عميق للمتغيرات المحتملة. فيتم ضخ رؤوس أموال كبيرة في مشاريع لم تبن على دراسات مؤسسية متكاملة، بل على افتراض أن النجاح السابق قابل للتكرار بالكيفية ذاتها والقدرات البشرية ذاتها. وهنا تكمن الخطورة، فالتاريخ الريادي مليء بأمثلة لشركات توسعت بسرعة أكبر من قدرتها على الاستيعاب، والنجاح كان بقدر الاستعداد والحسابات الصحيحة.

جانب آخر لا يقل أهمية هو الاعتقاد السائد لدى بعض الناجحين بأن النجاح في مرحلة معينة يغني عن التعلم المستمر، في حين أن الواقع يفرض العكس تماما، فكل مرحلة لها أدواتها ومعارفها. التوسع يتطلب الاطلاع على تجارب عالمية، والتعلم من إخفاقات الآخرين قبل نجاحاتهم، والاحتكاك برواد أعمال من بيئات مختلفة، والانخراط في برامج تنفيذية متقدمة تعزز الفهم الاستراتيجي والإداري.

ما يساعد على عدم القدرة لتحمل صدمات التوسع هو تجاهل تام لأهمية الاستعدادات بخطط بديلة لمواجهة الواقع غير المرجو، وتجاهل تام لأهمية تنويع الأعمال بذكاء، وتجاهل تام لدراسات عميقة تحدد المخاطر والاستعداد لها.
احتساب المخاطر لا يعني التردد أو الخوف من التوسع، بل يعني التوسع الواعي أو القدرة على الموازنة بين الطموح والانضباط، وبين الجرأة والحذر. الشركات التي تدرك هذا التوازن هي الأقدر على الاستدامة، وهي التي تتحول من نجاح عابر إلى قصة مؤسسية طويلة الأمد.

النجاح الحقيقي لا يقاس بسرعة النمو، بل بقدرة الشركة على الاستمرار في بيئات متغيرة. وبينما تبقى الجرأة سمة أساسية في عالم الأعمال، فإن الحكمة تكمن في أن ترافقها قراءة دقيقة للمخاطر، لأن ما لا يحسب اليوم، قد يكلف كثيرا غدا. أخيرا، الملاحظ أن هناك تجاهلا كبيرا لأهمية الدراسات الكبيرة الحقيقية لأي زيادة وتوسع، ناهيك عن التوسعات الكبيرة.

Barjasbh@

أخبار ذات صلة

0 تعليق