نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
مذكرة التفاهم الأمريكية - الإيرانية: وقف حرب أم بداية صراع جديد؟, اليوم السبت 20 يونيو 2026 08:20 مساءً
مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران لا تبدو، في جوهرها، نهاية للحرب بقدر ما تبدو انتقالا من الحرب المباشرة إلى التفاوض الصعب. فالشرق الأوسط لا يغادر الصراع بهذه السرعة، ولا تنتهي الحروب الكبرى بمجرد إعلان سياسي أو توقيع أولي. ما حدث أقرب إلى محاولة لوقف النزيف، وإعادة ترتيب الحسابات، وفتح باب لمساومة أوسع حول النووي، والعقوبات، والملاحة، ووكلاء إيران، ومستقبل التوازن الإقليمي.
إيران لم تقترب من هذا المسار لأنها تخلت عن مشروعها السياسي أو الإقليمي، بل لأنها قرأت لحظة الضغط بواقعية. الحرب أضعفت قدراتها العسكرية، ووسعت كلفة المواجهة الاقتصادية، ووضعت النظام أمام احتمال أن يتحول الضغط الخارجي إلى أزمة داخلية. في مثل هذه اللحظات لا تبحث الدول فقط عن النصر، بل عن مخرج يحفظ ماء الوجه. وهذا ما تمنحه مذكرة التفاهم لطهران: وقف مؤقت للتصعيد، ومفاوضات لاحقة حول الملفات الكبرى، وفرصة للقول داخليا إن النظام صمد ثم فاوض، لا إنه انهار ثم تنازل.
لكن هذه النقطة هي مصدر قوة الاتفاق ومصدر ضعفه في الوقت نفسه. فهو يمنح كل طرف لغة مناسبة لجمهوره، لكنه لا يحل جوهر الخلاف. البرنامج النووي لا يزال في قلب الأزمة، وشبكة الوكلاء الإيرانيين لا تزال حاضرة، وحزب الله تحديدا يبقى العقدة الأكثر حساسية بالنسبة لإسرائيل. لذلك فإن أي تفاهم أمريكي - إيراني لا يلامس النفوذ الإيراني في لبنان والعراق وسوريا واليمن سيبقى ناقصا؛ لأنه يعالج السلاح النووي كملف منفصل عن البيئة الإقليمية التي جعلت هذا السلاح، أو حتى الاقتراب منه، تهديدا استراتيجيا.
هنا تظهر الفجوة بين واشنطن وتل أبيب. الولايات المتحدة تريد منع إيران من امتلاك مسار فعال نحو السلاح النووي، لكنها تريد في الوقت نفسه تقليل عبئها العسكري في المنطقة، وإعادة توزيع الاهتمام نحو ساحات أوسع. أما إسرائيل، فتنظر إلى المعادلة من زاوية مختلفة. الخطر بالنسبة لها لا ينحصر في النووي، بل يشمل حزب الله، والصواريخ، والقدرة الإيرانية على إعادة بناء شبكة نفوذها بعد أي تخفيف للعقوبات. ولهذا تخشى إسرائيل أن تتحول خسائر إيران العسكرية إلى مكاسب سياسية على طاولة التفاوض.
أما باكستان، فقد لعبت دورا مهما لأنها تمتلك موقعا نادرا في هذه الأزمة. فهي دولة نووية، ومسلمة، ولها حدود وحسابات أمنية مع إيران، وعلاقات عملية مع واشنطن، وصلات وثيقة بدول الخليج. هذه التركيبة جعلتها قناة مقبولة حين كانت الثقة المباشرة بين الأمريكيين والإيرانيين شبه معدومة. دور باكستان لم يكن بروتوكوليا، بل كان دورا في هندسة المخرج: كيف يقدم الاتفاق من دون أن يظهر أحد وكأنه خسر، وكيف تفتح نافذة تفاوض من دون إسقاط الاعتبارات الأمنية لكل طرف. وقد أعلنت إسلام آباد، بحسب تقارير إعلامية، الوصول إلى نص متفق عليه لمسار السلام بين واشنطن وطهران.
ودور الخليج لا يقل أهمية، حتى وإن كان أقل ضجيجا. دول الخليج هي الأكثر تعرضا لنتائج أي فشل. مضيق هرمز ليس جغرافيا بعيدة؛ إنه شريان طاقة عالمي وأمن اقتصادي مباشر. الأسواق، الموانئ، القواعد العسكرية، وسلاسل الإمداد كلها تقع في دائرة الخطر عند أي تصعيد مع إيران. لذلك دفع الخليج باتجاه التهدئة، لكنه لا يريد تهدئة مجانية تسمح لطهران بإعادة تمويل أذرعها، أو العودة إلى سياسة الضغط عبر الملاحة والوكلاء. من منظور خليجي، الاتفاق المقبول ليس اتفاقا بين واشنطن وطهران فقط، بل ترتيبات أمنية تضمن أن تخفيف الضغط على إيران لن يتحول إلى ضغط جديد على جوارها.
الأصعب أن الاتفاق يجري فوق أرض سياسية داخلية متحركة في الدول الثلاث: الولايات المتحدة، إيران، وإسرائيل. في واشنطن، هناك انقسام حول كلفة الحرب وجدواها، وحول ما إذا كانت المواجهة تخدم المصلحة الأمريكية أم تجر الولايات المتحدة إلى حرب جديدة في الشرق الأوسط. في إسرائيل، يخشى القادة الأمنيون من أن يؤدي وقف الحرب إلى بقاء حزب الله وإيران في وضع يسمح لهما بإعادة التموضع. وفي إيران، لا يمكن تجاهل الانقسام بين تيار يرى التفاوض ضرورة لحماية النظام، وتيار آخر يعتبر أي تسوية مع واشنطن تنازلا عن جوهر المشروع الثوري. هذه النقطة، كما يذهب جورج فريدمان، تجعل السياسة الداخلية عاملا حاسما في نجاح أو فشل أي تسوية، لا مجرد تفصيل جانبي.
ثم إن المنطقة نفسها تتغير. تراجع النفوذ الإيراني، حتى لو كان مؤقتا، يفتح الباب لقوى أخرى، وفي مقدمتها تركيا، لتوسيع حضورها في سوريا وشرق المتوسط ولبنان. وقد تصبح المرحلة المقبلة أقل ارتباطا بسؤال إيران وحدها، وأكثر ارتباطا بتنافس أوسع بين إيران وتركيا وإسرائيل والدول العربية الكبرى. وهذا يعني أن واشنطن لن تستطيع بناء نظام إقليمي جديد عبر اتفاق ثنائي فقط. ستحتاج إلى إدخال الخليج، وتركيا، ومصر، وباكستان، وربما أطراف أخرى، في معادلة أمنية أكثر اتساعا. لكن هذه المعادلة ستصطدم دائما بالسؤال الفلسطيني، وبحدود التطبيع، وبالشكوك الإسرائيلية تجاه أي قوة إقليمية صاعدة.
إن مذكرة التفاهم ليست سلاما نهائيا، بل اختبار سياسي واستراتيجي. إيران قبلت لأنها تحتاج إلى وقف الاستنزاف. واشنطن قبلت لأنها تريد احتواء النووي وتقليل الانخراط العسكري. باكستان نجحت لأنها تحدثت مع الطرفين في لحظة انسداد. ودول الخليج دعمت التهدئة لأنها تعرف أن الحرب مع إيران تبدأ في العناوين الكبرى، لكنها تنتهي غالبا عند الممرات البحرية وأسواق الطاقة وأمن المدن الخليجية.
نجاح الاتفاق لن يقاس بالتوقيع، بل بما بعده: هل تفتح الملاحة؟ هل تقيد إيران برنامجها النووي؟ هل يتراجع سلوك الوكلاء؟ وهل تستطيع واشنطن طمأنة إسرائيل والخليج في وقت واحد؟ إن لم يحدث ذلك، فلن تكون مذكرة التفاهم نهاية الحرب، بل استراحة قصيرة قبل صراع أكثر تعقيدا.

















0 تعليق