نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
التنمية الريفية.. ركيزة الاستدامة ومسؤولية الجامعات, اليوم الثلاثاء 30 يونيو 2026 05:19 صباحاً
تواجه المملكة تحديا تنمويا رئيسيا يتجلى في الحاجة الماسة إلى تنمية ريفية مستدامة. فالمدن الكبرى باتت تعاني من تكدس سكاني متزايد، يفاقم الضغط على البنية التحتية والخدمات والموارد الطبيعية. ولا سبيل لمعالجة هذا الخلل بفرض قيود على الانتقال إلى المدن، بل بفتح آفاق حقيقية لحياة مزدهرة وعمل منتج في الريف، مستندين إلى العلم والمعرفة كمحركين للتغيير. وهنا يبرز الدور الحيوي للجامعات والبحث العلمي، فهما يملكان القدرة على أن يكونا القاطرة التي تقود هذه النهضة المنشودة.
أدركت رؤية 2030 هذه الحقيقة مبكرا، فأطلقت برنامج التنمية الريفية الزراعية المستدامة «ريف» كمشروع وطني طموح دشنه خادم الحرمين الشريفين في يناير 2019. ويهدف البرنامج إلى تحقيق توازن اقتصادي واجتماعي من خلال الاستغلال الأمثل والمستدام للموارد الطبيعية والزراعية والمائية. وقد رصدت له الحكومة ميزانية تجاوزت 12 مليار ريال، خصص منها 8.75 مليارات للمرحلة الأولى، بالإضافة إلى 3 مليارات من صندوق التنمية الزراعية.
ولم يقتصر الأمر على التمويل، بل شمل تمكين صغار المنتجين في قطاعات واعدة مثل تربية النحل وزراعة البن العربي وتنمية الثروة الحيوانية. ومن المبادرات اللافتة زيارة النحالين إلى إيطاليا للاطلاع على أحدث التقنيات، وتطبيق نظام «القطعان الذكية» Saudi Livestock في يوليو 2025، الذي أسهم في رفع كفاءة القطاع. وقد استفاد من هذا البرنامج حتى الآن أكثر من 87 ألف مستفيد.
وقد أدركت الجامعات أهمية التنمية الريفية وتبنت عدة مبادرات واعدة. فجامعة الملك سعود، من خلال قسم الإرشاد الزراعي والمجتمع الريفي الذي تأسس عام 1991، تقدم برامج دراسات عليا وأنشطة توعوية تمثل قناة تواصل فعال بين مراكز البحث والمجتمعات الريفية. كما وقعت جامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن اتفاقية تعاون مع برنامج «ريف» لتمكين المرأة الريفية من خلال برامج تدريبية وبحوث مشتركة. وقد استضافت جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (كاوست) في نوفمبر 2025 منتدى «مستقبل الغذاء السعودي»، حيث أكد رئيسها أن الأمن الغذائي أولوية وطنية تتطلب حلولا علمية جريئة تتناسب مع المناخ الجاف للمملكة. ويعمل مركز الزراعة الصحراوية في الجامعة على تطوير محاصيل تتحمل الملوحة وتنمو في بيئات قاسية.
غير أن هذه الجهود، رغم أهميتها، لا تكفي وحدها لتحقيق تنمية ريفية شاملة ومستدامة. فالطموح الأكبر يتطلب تحولا جذريا في فلسفة عمل الجامعات. ويمكن أن يبدأ ذلك بإعداد كوادر وطنية متخصصة من أبناء الريف أنفسهم، عبر تطوير فروع الجامعات في المناطق الريفية. فبدلا من اعتبار هذه الفروع أعباء مالية، يجب تحويلها إلى كليات ومعاهد متخصصة تقدم برامج أكاديمية وتدريبية مصممة وفق احتياجات كل منطقة، تجمع بين العلوم الزراعية والبيئية والتقنيات الحديثة وريادة الأعمال، وتتكامل مع دور أكاديمية ريف في تأهيل صغار المنتجين.
إن مثل هذا الاستثمار في العنصر البشري يضمن بقاء الكفاءات في مناطقها، وارتباطها بقضاياها المحلية، لتصبح قادة للتنمية في مجتمعاتها. كما يعد البحث العلمي والابتكار الركيزتين الأساسيتين لتطوير المبادرات وتمكينها من تجاوز العقبات، كتلك المرتبطة بندرة المياه، أو تغير المناخ، أو رفع الإنتاجية، أو بناء سلاسل قيمة فعالة. ولا سبيل لذلك إلا من خلال بحوث تطبيقية تنقل المعرفة من المختبر إلى الحقل، بما ينسجم مع مبادرات التنمية الريفية وتوجهات، وزارة البيئة والمياه والزراعة.
وهناك الكثير من التجارب الدولية، نماذج ملهمة يمكن الاستفادة منها. ففي الصين، نجح نموذج «الفناء العلمي والتكنولوجي» في ربط المختبرات الجامعية بالحقول، حيث يقيم الباحثون والطلاب في القرى لتطوير حلول زراعية مبتكرة. وفي إندونيسيا، حقق برنامج «قرية واحدة ومدير تنفيذي واحد» من جامعة IPB نجاحا كبيرا، إذ حول الطلاب والخريجين إلى رواد أعمال يفتحون آفاق التمويل والتسويق للمجتمعات الريفية، في أكثر من 1430 قرية. وفي الفلبين، يعد برنامج «المزارعين-العلماء» من جامعة لوس بانوس نموذجا رائدا في تحويل المزارعين إلى مبتكرين وخبراء وقيادات مجتمعية. وتقدم جامعة أتاتورك في تركيا نموذجا يحتذى من خلال التدريب المنهجي للمزارعين وتمكينهم من الوصول المباشر إلى مختبراتها وأراضيها التجريبية والاستفادة من مخرجات الأبحاث.
وخلاصة القول: إن دمج البحث العلمي والابتكار في قلب مبادرات التنمية الريفية، إلى جانب إعداد كوادر وطنية مؤهلة في فروع الجامعات الريفية، هو الطريق الأجدى لتحويل التحديات إلى فرص حقيقية. وتمثل الجامعات، بفروعها وطاقاتها البحثية، الأداة الأقدر على تحقيق الأهداف المنشودة، شريطة أن نعيد تعريف دورها لتكون مؤسسات تنموية فاعلة، لا مجرد صروح تعليمية تقليدية تقدم برامج ربما لا تكون مفيدة للكثير من سكان الريف.


















0 تعليق