النيوليبرالية المتوحشة تسحق الجميع

بوابة فيتو 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
النيوليبرالية المتوحشة تسحق الجميع, اليوم الثلاثاء 30 يونيو 2026 11:53 صباحاً

في الأسبوع الماضي تقدم كير ستارمار (ذي التوجه الاشتراكي) باستقالته من رئاسة الحكومة إثر أسوأ هزيمة لحزب العمال منذ عقدين في الانتخابات البلدية مقابل نجاح لافت لليمين المحافظ والمتطرف، في المقابل نجح التيار الاشتراكي الديمقراطي في نفس الأسبوع المدعوم من عمدة مدينة نيويورك زهران ممدانى في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي لانتخابات التجديد النصفى للكونجرس لولاية نيويورك في نوفمبر المقبل، وبالتالي قد حسم التيار بنسبة كبيرة الفوز على حساب الحزب الجمهوري ذات الشعبية المتدنية في الولاية الرأسمالية.


وفى مارس 2026، سيطر تحالف اليسار على المدن الكبرى في الانتخابات البلدية الفرنسية، مقابل سيطرة تامة لليمين المتطرف على المدن الصغيرة، وفى عدة عواصم أوروبية يتقدم اليمين المتطرف خطوة ثم يتراجع لصالح أقصى اليسار أو اليسار الشعبوى، ثم ينقلب المشهد للنقيض تمامًا يتراجع اليسار ويتقدم اليمين.


المحصلة شعوب أوروبية منقسمة بشدة، تراوح في المزاج من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، خفوت شبه تام للوسط والأحزاب التقليدية، فشل الجميع بامتياز. ومنبع ذلك التداعيات الكارثية للنيوليبرالية، ومعضلة التصدي لها.


النيوليبرالية ذات ثلاثة بصمات: سياسية، اقتصادية، ثقافية، وإطلاق العنان للثلاثة يؤدى إلى نيوليبرالية متوحشة لها من المزايا العظيمة بمقدار ما لها كوارث أعظم. فالاقتصادية بقدر ما تكسر جميع حواجز زيادة الإنتاج والابتكار وتعاظم الثروة والملكية دون سقف؛ بقدر أيضا ما تؤدى إلى احتكار الثروة في يد مجموعة أفراد وشركات، وطبقية خطيرة، وتخفيض حاد للضرائب، وهروب الأموال إلى أسواق خارجية. 

كذلك، السياسية سقف غير محدود للحرية السياسية والاجتماعية، يؤدى في كثير من الأحيان إلى شبه فوضى سياسية، وبروز تيارات وحركات اجتماعية شاذة ومنحها الحرية التامة ودعمها على حساب قيم دينية واجتماعية راسخة، ففي كندا على سبيل المثال، يتم دعم حركات المثلين من دافعي الضرائب وعلى حساب نفقات اجتماعية.

والثقافية انفتاح وتسامح دون حد على الآخر والهجرة، مما ينتج تدفقات هائلة من المهاجرين وحقوق تميزية للأقليات "تمييز إيجابي"، والنتيجة تعرض الهوية الوطنية لخطر عظيم، ومكتسبات أجتماعية واقتصادية للمهاجرين والأقليات على حساب المواطن الأصلي بصورة مباشرة أو غير مباشرة.


وسط تلك المكتسبات العظيمة والكوارث العظيمة للنيوليبرالية تتبدى معضلة الناخب الغربي، وبالتبعية معضلة جميع التيارات السياسية في إيجاد حلول توافقية بين المكتسبات والكوارث. فالناخب الغربي المتنوع بالطبع الذي يعيش في مجتمع وظروف مختلفة تماما عن عقدين سابقين، من حيث تركيبة اجتماعية مختلفة، وأزمة اقتصادية خانقة.. وغيرها، يريد النيل من المكتسبات فقط أو بعضها، أو تجنب الكوارث أو بعضها وهذا من ضرب المستحيل.


فالمتضررين الفقراء ذات الخلفية اليمينية والدينية المحافظة من الكوارث الثلاثة للنيوليبرالية، يبغون تيار ذات أجندة مناهضة تماما للهجرة والانفتاح الاقتصادي وتوطين تام للصناعة ورفع الضرائب على الأغنياء، وزيادة النفقات الاجتماعية، ومحاربة التيارات الشاذة.. وغيرها.. 

بينما الأغنياء تقريبا العكس عدًا سياسات مناهضة للهجرة وحقوق الأقليات والتيارات الشاذة خاصة المثلين، وواقع الأمر أن إيجاد سياسة توافقية مرضية لهذا التباين الشديد تبدو شبه مستحيلة، إذ من المفارقات-مثلا- أن الرأسمالية المحافظة الدينية من أكبر المستفيدين من العمالة المهاجرة الرخيصة.


ويتبدى التباين الأعظم في المتضررين ذات الميول الاشتراكية وتياراتها، ففي حين يبغى مؤيدة أقصى اليسار وكثير منهم من المهاجرين والأقليات المحافظة على سياسة الهجرة المفتوحة، وضرائب مرتفعة للغاية على الأغنياء، وزيادة واسعة للنفقات الاجتماعية، يرفضون في ذات الوقت ليبرالية سياسة أجتماعية المرتكز الرئيسي لليسار خاصة أقصى اليسار. 

كثير من أنصار اليسار لا سيما الأوروبي وكذلك تيارات يسارية عدة لا سيما اليسار الشعبوى المدافع عن عدالة اجتماعية، مناهض بصورة علانية للهجرة لأنها ضرر كبير على الهوية القومية.


ستكتفى المقالة بذكر مثالين فقط لتباين تلك المعضلة وهما ترامب في الولايات المتحدة الذي حقق انتصار ساحق في الانتخابات السابقة إثر التذمر الواسع غير المسبوق من النيوليبرالية، ومن المفارقة أن قرابة نصف المهاجرين والأقليات قد انتخب ترامب. 

لكن سرعان ما تبين ليس فقط تجنب كوارث النيوليبرالية، بل أيضا ضرورة تبنى بعض مكتسباتها، وهو ما تبدى بوضوح من التداعيات الاقتصادية الخطيرة للتعريفات الجمركية على الاقتصاد الأمريكي، وانحياز ترامب للنخبة الاقتصادية وتجنب رفع الضرائب، واتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء لاسيما داخل النخبة الشعبوية البيضاء لترامب، بل حتى فشل خطة الترحيل العظمى للمهاجرين، وهو ما أسهم في صعود شعبية اليسار الاجتماعي بقيادة زهران ممدانى خلال أشهر معدودة.

والثاني كير ستارمار في بريطانيا الذي سعى جاهدًا إلى تطبيق عدالة اجتماعية ذات صبغة اشتراكية أسفرت عن فشل عظيم؛ إذ لم تفلح في إرضاء الأغنياء والفقراء على السواء بسبب تطبيقها المتناقض لا سيما خفض الدعم عن الفقراء، فضلا عن فشله في معالجة قضية الهجرة الذي وعد بالتصدي لها مما اكسبه أصوات كثير من المحافظين. وهو ما اسفر تقدم اليمين المتطرف بصورة كبيرة. 

ونخلص من ذلك إلى سؤال هل سيتمكن تيار سياسي في المستقبل إيجاد صيغة توافقية للنيواليبرالية في مجتمع غربي منقسم بالأساس؟ 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق