نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
هل أنت موظف متبندر؟
الرؤية بعدسة سيكولوجية السلوك المؤسسي حول استنزاف رأس المال البشري, اليوم الأربعاء 14 يناير 2026 04:09 صباحاً
في هذا السياق، تستحضرنا حالة "بندر"؛ تلك الشخصية التي ظهرت في دراسة ميدانية لموظف يتمتع بقدرات فنية وإدارية تفوق كثيرا من أقرانه، لكنه يختار العزلة، ويتجنب التفاعل الاجتماعي، ويرفض الانخراط في بيئة العمل التعاونية. ظاهريا، قد يبدو أن المشكلة تكمن في تدني تقدير الذات أو ضعف الثقة بالقدرات الشخصية. غير أن هذا التفسير، رغم شيوعه، قد لا يلامس جوهر المسألة.
فماذا لو لم يكن "بندر" منسحبا بدافع الضعف، بل بدافع الحذر؟
ماذا لو كان هذا "التبندر" سلوكا دفاعيا تشكل مع الوقت، نتيجة تجارب مهنية لم تكن آمنة نفسيا؟ تجارب همشت فيها أفكاره، وقوبلت مبادراته بالتقليل أو النقد أكثر من الاحتواء، فلم يجد في النهاية سوى الانسحاب الداخلي كوسيلة لحماية ذاته المهنية، والحفاظ على ما تبقى من دافعيته وكرامته الوظيفية.
في كثير من بيئات العمل، لا يبدأ الانسحاب النفسي فجأة، بل يتسلل بهدوء. يتوقف الموظف أولا عن المبادرة، ثم يقل حضوره في النقاش، ثم يكتفي بأداء المطلوب دون إضافة. لا لأنه لا يملك ما يقدمه، بل لأنه تعلم - عبر التجربة - أن الجهد لا يقابله أثر، وأن الصوت لا يجد صدى. هنا تنكسر العلاقة بين الفعل والنتيجة، ويتحول الصمت إلى خيار عقلاني أكثر من كونه ضعفا شخصيا.
ومن منظور سيكولوجية السلوك المؤسسي، حين يفقد الفرد شعوره بالقدرة على التأثير، تتراجع المبادرة لديه بوصفها استجابة تكيفية لا سلوكا سلبيا. والصمت في هذه الحالة ليس فراغا، بل امتلاء بتجارب خذلان غير معلنة. ومع الوقت، يصبح خفض سقف التوقعات وسيلة لحماية الذات من خيبة جديدة، لا تعبيرا عن اللامبالاة.
إن هذا التحول لا يحدث بمعزل عن السياق التنظيمي. فالثقافات التي تفتقر إلى الأمان النفسي، أو تدار بعقلية السيطرة والبيروقراطية، أو تمارس فيها العدالة بشكل انتقائي، تخلق بيئة يتعلم فيها الموظف أن السلامة في الحياد، وأن الظهور قد يكون مكلفا. وفي مثل هذه البيئات، لا يكافأ التفكير بقدر ما يكافأ الامتثال، ولا يفسر الصمت كإشارة خطر، بل كدليل "انضباط".
ومع تكرار هذا النمط، لا يعود السلوك فرديا، بل يتحول إلى ثقافة مؤسسية غير مكتوبة. فالموظفون الجدد يلتقطون الإشارات الضمنية سريعا، ويتعلمون من الواقع أكثر مما يتعلمون من القيم المعلنة. وهكذا، لا تستنزف طاقة موظف واحد فقط، بل يعاد إنتاج الحالة ذاتها داخل المؤسسة، جيلا بعد جيل، حتى يصبح "التبندر" هو القاعدة غير المعلنة للبقاء.
ومن زاوية أخرى تلعب القيادة هنا دورا محوريا، ليس فقط من خلال القرارات الكبرى، بل عبر التفاصيل اليومية: طريقة استقبال الرأي، أسلوب إدارة الخطأ، مساحة التفويض، ونبرة الحوار. فالقائد الذي يقرأ الصمت على أنه رضا، أو الأداء الرمادي على أنه استقرار، قد يفوت لحظة التدخل المبكر. وفي المقابل، يدرك القائد الواعي أن انخفاض التفاعل غالبا ما يسبق فقدان الانتماء، وأن الاحتراق النفسي لا يعلن عن نفسه بصوت مرتفع.
والجدير بالذكر أن ما يجعل ظاهرة "الموظف المتبندر" أكثر تعقيدا هو أنها لا تطلب المساعدة صراحة، ولا تثير الأزمات، ولا تظهر مقاومة مباشرة. إنها حالة تتغذى على التراكم، وتستمر طالما بقيت غير مرئية في وعي القيادة. ومع الوقت، تمتلئ المؤسسات بأشخاص حاضرين جسديا... وغائبين نفسيا.
هذا يدفعنا إلى طرح تساؤل جوهري:
هل كل موظف صامت فاقد للثقة؟ أم أن بعض الصمت هو صوت احتجاج لم يجد مساحة آمنة ليسمع؟
وهنا يبرز سؤال أكثر عمقا:
هل تحولت ثقافة "التبندر" إلى خيار دفاعي عقلاني داخل بيئات عمل طاردة؟ أم أننا نلجأ أحيانا إلى هذا الوصف كذريعة مبسطة لسلوكيات أكثر تعقيدا مما نحب الاعتراف به؟
في حقيقة الأمر، لا يمكن فهم هذه الظاهرة بوصفها خللا فرديا، بل نتيجة تضافر عوامل نفسية وهيكلية تتعلق بثقافة العمل، وأنماط القيادة، وطبيعة العقد النفسي غير المكتوب بين الموظف والمؤسسة.
والتي تعكس تساؤلا مهما كيف يتحول الموظف إلى حالة "بندر" هل بفعل هذا التضافر فعلا؟
هذا التساؤل ليس سؤال تشخيص فقط، بل مدخل لإعادة التفكير في الطريقة التي تدار بها بيئات العمل.
ولتطوير فهمنا لهذه الظاهرة بشكل أعمق، تبرز أمامنا ثلاثة مسارات يمكننا التعمق بالتفكير فيها لمساعدتنا بمعرفة جوهر هذه الظاهرة وهي:
1- مختبر القيادة: كيف يمكن للقائد أن يلتقط علامات "التبندر" المبكرة في فريقه قبل أن تتحول إلى حالة مزمنة يصعب عكسها؟
2- هندسة العقد النفسي: ما الخطوات العملية لإعادة بناء الثقة بين الموظف "المحبط" والمؤسسة بعد سنوات من الخذلان؟
3- تأثير العدوى: كيف تنتقل هذه الحالة إلى الموظفين الجدد، وكيف يمكن حماية "المواهب الواعدة" من التكيف مع ثقافة الانسحاب؟
في نهاية المطاف، قد لا يكون "الموظف المتبندر" استثناء في مؤسسات دون أخرى ولا يمكن تعميمها أيضا، بل نستطيع القول إن هذه الظاهرة وإن وجدت فإنها انعكاس طبيعي لبيئات لم تصغ بما يكفي، ولم تنصف بما يلزم. وبين الصمت والانسحاب، تتآكل طاقات بشرية كان يمكن أن تحدث فرقا حقيقيا لو وجدت مساحة آمنة للتعبير والانتماء. لذلك، فإن إعادة النظر في هذه الظاهرة هي دعوة لإعادة التفكير في معنى القيادة، ودور الثقافة التنظيمية، وحدود المسؤولية المشتركة بين الفرد والمؤسسة.

















0 تعليق