نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الردع بالتنمية وسلّم تركي قبلان للتصاعد: إطاران نظريان أصيلان في الدراسات الاستراتيجية, اليوم الأحد 26 أبريل 2026 10:09 مساءً
ثمة سؤال يطرحه الباحث الاستراتيجي حين يقارن بين النظريات الكبرى في الردع: لماذا ظل هذا الحقل حبيس ثنائية الحرب الباردة؟ ولماذا لم تنتج الأدبيات الاستراتيجية منذ «هيرمان كان» نماذج تصاعد تستوعب تعقيدات البيئات متعددة الأطراف؟ هذا السؤال هو الذي دفعني إلى صياغة إطارين نظريين أصيلين: الأول هو «نظرية الردع بالتنمية»، والثاني هو «سلّم تركي قبلان للتصاعد الاستراتيجي»، وكلاهما اجتاز التحكيم العلمي ونشر في مجلة العلوم السياسية والقانون، المجلد 12، العدد 47.
الردع في الأدبيات الاستراتيجية الكلاسيكية مفهوم ضيق في بنيته: إقناع الخصم بأن تكلفة الهجوم ستتجاوز عائده المتوقع. نضج هذا المفهوم في رحم الحرب الباردة وانصرف شبه كليا نحو الردع النووي ومنطق التدمير المتبادل المؤكد. وحين تجاوزنا الحرب الباردة، ورثنا مفهوم الردع بثقله القديم دون أن نعيد صياغته ليلائم عالما باتت فيه التنمية الاقتصادية والتحول الهيكلي والقوة الناعمة التنموية تنتج أثرا رادعا لا يقل فاعلية عن التهديد العسكري، بل يفوقه في أغلب الأحيان ديمومة واستدامة.
من هذا الفراغ المفاهيمي ولد مفهوم «الردع بالتنمية». يعرف بأنه: قدرة الدولة على توظيف مسيرتها التنموية الناجحة - اقتصاديا وتقنيا وبشريا - بوصفها رادعا استراتيجيا يجعل زعزعة استقرارها مكلفة على الفاعلين الآخرين، ويحول نموذجها التنموي إلى أداة نفوذ إقليمي ودولي. المنطق هنا مختلف جذريا عن الردع العسكري: فبينما يقول الردع العسكري للخصم «إن هاجمتني فسأدمرك»، يقول الردع بالتنمية للبيئة الدولية برمتها «استقراري يخدم مصالحكم، ونجاحي ينعكس عليكم، وفشلي يضركم»، فتتحول شبكة المصالح المتشابكة نفسها إلى درع استراتيجية. ما يقدمه «الردع بالتنمية» هو ربط مباشر بين المسيرة التنموية الداخلية وأثرها الرادع الخارجي لا كأداة هجومية ولا كقوة جذب فحسب، بل كدرع تنبثق من داخل التنمية ذاتها وتعمل دون إعلان ودون تهديد مباشر.
أما الإطار الثاني فيعالج إشكالية مختلفة لكنها تكمل الأولى: كيف تدار مراحل التصاعد في بيئات الصراع المعقد؟ المرجعية الكلاسيكية في هذا الحقل هي سلم «هيرمان كان» الذي طرحه عام 1965 في كتابه «على التصاعد»، نموذج من 44 درجة صاغه لإدارة الصراع النووي الثنائي بين أمريكا والاتحاد السوفيتي. كان نموذجا عبقريا في زمنه: حول ثنائية الحرب والسلم إلى طيف متدرج من الخيارات يستطيع فيه صانع القرار الصعود والنزول بحكمة محسوبة، وأضفى على فعل التصاعد طابع الإشارة الاستراتيجية المقروءة لدى الطرف الآخر.
غير أن سلم هيرمان كان ولد مقيدا ببيئته، فهو يفترض طرفين متماثلين يملكان أسلحة نووية، ويفترض أن التصاعد ذو بعد عسكري في جوهره، ولا يدرج التصاعد الاقتصادي ولا الرمزي ولا ما يمكن تسميته «تصاعد الفراغ الاستراتيجي» بوصفها أبعادا قائمة بذاتها ومتوازية مع البعد العسكري. وبيئة الشرق الأوسط في القرن الحادي والعشرين لا تشبه بأي وجه البيئة التي صمم لها هيرمان كان نموذجه: أطراف متعددة تشمل دولا ووكلاء وحركات وأطرافا من دون دول، وصراعات تمتد من الاقتصاد إلى الخطاب الرمزي إلى الجغرافيا السياسية، ومساحات لاعب ثالث - «القوة الضابطة» - تدير التصاعد من خارجه دون الانخراط فيه مباشرة.
من هذا القصور جاء «سلم تركي قبلان للتصاعد الاستراتيجي» نموذجا معاصرا يعيد هيكلة إدارة التصاعد على ثماني درجات موزعة في أربع عتبات متدرجة، ومنطلقه الجوهري هو استبدال معيار «كمية الدمار» عند «كان» بمعيار «نوعية التأثير على المشروع الوطني»، وهو تحول بنيوي في فلسفة التصاعد ذاتها. العتبة الأولى هي المنطقة الرمادية (الدرجتان 1-2) وتشمل التحرش السيبراني وتحريك الوكلاء وحملات الاستنزاف الاقتصادي، بهدف إنهاك الدولة دون الدخول في مواجهة مباشرة، وهو ما يتوافق مع ما وصفه «هوفمان» بـ(الحرب الهجينة). والعتبة الثانية هي الردع بالنسبية (الدرجتان 3-4) ويتجلى فيها التهديد الملاحي واستهداف المنشآت الحيوية المحدودة. والعتبة الثالثة هي المنعطف الاستراتيجي (الدرجتان 5-6) ويتمثل فيها الاستهداف المنهَج للبنية الاقتصادية الصلبة أو استهداف المدنيين، وعند هذه العتبة يتحول السلوك من منطق «الامتصاص» إلى «المواجهة المتكافئة»، أما العتبة الرابعة فهي الصدام الكلي (الدرجتان 7-8) وتمثل الحرب الشاملة التي تستهدف وجود الدولة وهويتها التنموية وتعيد رسم خارطة الاصطفافات الدولية بصورة جذرية.
المفهوم الأصيل الآخر الذي يدرجه السلم هو «القوة الضابطة» الفاعل الذي يمتلك القدرة على تحديد سقف التصاعد وإدارة توقيته دون أن يكون طرفا مباشرا في الصراع. هذا الفاعل غائب كليا عند هيرمان كان، لأن الثنائية القطبية لم تتصور وسيطا يدير ما بين القطبين. أما في بيئات الصراع المعقد فإن وجود هذا الفاعل يغير معادلة التصاعد برمتها: إذ يقدم مسارا ثالثا بين الاستسلام والتصعيد، ويضيف طبقة من إدارة التوقعات لا تستطيع الأطراف المتصارعة تقديمها بنفسها.
الفارق بين الفكرة الاستراتيجية والنظرية العلمية المعترف بها يمر بمحطة واحدة لا تختصر: التحكيم العلمي من مجلة محكمة. التحكيم لا يعني مجرد الموافقة على النشر، بل يعني اجتياز فلتر يقيم ثلاثة أشياء بالتحديد: أصالة المفهوم بحيث لا يكون تكرارا لما سبق، ومتانة المنهجية بحيث تكون قابلة للتحقق والنقض، والقيمة المضافة للأدبيات بحيث تجيب عن أسئلة ظلت معلقة.
أثبت التحكيم العلمي بالنسبة لهذين الإطارين ثلاثة أشياء محددة: أولا، لا يوجد في الأدبيات السابقة ما يطابق مفهوم «الردع بالتنمية» بتعريفه الرابط بين التنمية الداخلية والأثر الرادع الخارجي، ولا ما يطابق نموذج التصاعد متعدد الأبعاد الذي يدرج تصاعد الفراغ الاستراتيجي والقوة الضابطة بوصفهما فاعلين مستقلين. ثانيا، المقارنة بين سلم هيرمان كان وسلم تركي قبلان قائمة على معايير منهجية صريحة وقابلة للاختبار من باحثين مستقلين. ثالثا، الورقة تجيب عن سؤال حقيقي ظل بلا إجابة: كيف تدار مراحل التصاعد في بيئات تتقاطع فيها أبعاد متعددة متوازية؟
ما يجمع هذين الإطارين في حقيقتهما العميقة هو أنهما يعيدان تعريف القوة. القوة لم تعد ما تملكه من أسلحة أو دبابات، بل صارت ما تستطيع أن تجعل الآخرين يعتمدون عليه، وما تستطيع أن تديره حين يتصاعد الصراع دون أن تضطر إلى الذهاب حتى نهايته. الدولة التي تدرك هذا المنطق لا تنتظر المواجهة لتثبت قوتها بل تبني قوتها في زمن السلم بحيث تغدو المواجهة نفسها خيارا مكلفا للطرف الآخر قبل أن يبدأ.

















0 تعليق