صناعة الانتصار الوهمي من أحمد سعيد إلى حسن أحمديان

مكه 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
صناعة الانتصار الوهمي من أحمد سعيد إلى حسن أحمديان, اليوم الخميس 4 يونيو 2026 03:12 صباحاً

هناك خيط خفي يربط بين هزيمة 1967، وسقوط بغداد، وأزمات إيران اليوم. خيط لا يصنعه الجنرالات ولا الساسة... بل يصنعه الميكروفون.

ففي كل مرة تتهاوى فيها الدول، يظهر صوت يصر على أن كل شيء بخير، وأن النصر قاب قوسين، وأن الشعب مطالب فقط بأن يصفق... بينما تتساقط الجدران من حوله.

من أحمد سعيد إلى الصحاف إلى أحمديان، لم تتغير الحكاية، أنظمة تصنع انتصارات على الورق... وشعوب تدفع أثمان الهزائم على الأرض. لا توجد ظاهرة عربية تكررت كما تكررت أسطورة الانتصار الوهمي. من «صوت العرب» في الستينيات، إلى بغداد عام 2003، وصولا إلى طهران اليوم، ظل الخطاب واحدا: النظام ينتصر دائما... حتى لو تدمرت البلاد والعباد.

هذه ليست مبالغات إعلامية عابرة، بل منهج سياسي كامل يقوم على صناعة وعي زائف يقدم الهزيمة كـ«صمود»، والانهيار كـ«نصر»، والكارثة كـ«إنجاز». تتغير الجغرافيا والوجوه، لكن النتيجة ثابتة: شعوب تدفع الثمن... وأنظمة تشتري الوقت بالقنابل الصوتية.

في حرب 1967، كان أحمد سعيد، صوت إذاعة «صوت العرب»، صانعة المزاج العربي في ذلك الوقت، يعلن إسقاط عشرات الطائرات الإسرائيلية، ويرسم صورة نصر لا وجود له، بينما الطائرات المصرية تدمر على الأرض،
لم يكن ذلك خطأ مهنيا، بل تأسيس لثقافة خطيرة تقول: إن الحقيقة ليست ما يحدث على الأرض... بل ما يقوله المذيع.

انهارت الجيوش، وانهارت معها ثقة الشعوب، لكن الوهم بقي جزءا من الذاكرة السياسية العربية.

في بغداد عام 2003 كانت هنالك نسخة أكثر درامية ... ونهاية أكثر مأساوية، حيث ظهر محمد سعيد الصحاف وزير الإعلام العراقي ليعيد إنتاج المشهد نفسه، ولكن بنبرة أكثر درامية. كان يؤكد أن الأمريكان ينتحرون على أسوار بغداد، بينما كانت دباباتهم تسير خلفه مباشرة، فتحولت تصريحاته إلى مادة للسخرية العالمية، لكن خلف تلك السخرية كانت مأساة شعب كامل يعيش انهيار دولة، بينما يطلب منه أن يصفق للانتصار.

اليوم يمارس حسن أحمديان الدور ذاته، ولكن بلباس أكاديمي، يقدم النظام الإيراني على أنه منتصر في كل مواجهة، مهما كانت خسائره الاقتصادية والسياسية والعسكرية.

العقوبات تصبح فرصة، والانهيار الاقتصادي صمودا، والاحتجاجات الشعبية مؤامرة فاشلة.

إنه الخطاب نفسه، انتصار بلا معايير، صمود بلا نتائج، وإنجازات لا يراها أحد إلا في الإعلام الرسمي، والثمن؟ شعب يعيش أزمات متراكمة، بينما يطلب منه أن يصفق للقدرة على البقاء.

النتيجة واحدة... مهما تغيرت الأنظمة مصر دفعت ثمن هزيمة 1967 لعقود، والعراق دفع ثمن الانتصارات الإعلامية بانهيار الدولة. وإيران تدفع اليوم ثمن خطاب «الانتصار الدائم» الذي يغطي على أزمات داخلية خانقة. في كل الحالات: النظام ينجو... والشعب ينهار.

من أحمد سعيد إلى الصحاف إلى أحمديان، تتكرر القصة نفسها: أنظمة تبيع الوهم... وشعوب تشتري الألم.

لكن الزمن تغير، والوعي العربي تغير. الناس لم تعد تقاد بالميكروفون، ولا تخدر بشعارات الصمود بينما تنهار حياتها. لقد آن الأوان لدفن هذا الإرث، وبناء ثقافة سياسية جديدة تقول: الانتصار الحقيقي هو ما يعيشه الناس... لا ما يقال لهم.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق