نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
إدارة الازدحام المروري: بين الحلول البيروقراطية وآليات السوق, اليوم الخميس 25 يونيو 2026 01:15 صباحاً
تحت رعاية صاحب السمو الأمير الدكتور عبدالعزيز بن عياف، وضمن فعاليات مجمع بصائر لمراكز الفكر، نظم مركز الإدارة المحلية بجامعة الأمير سلطان ندوة متخصصة بعنوان «إدارة الازدحام المروري في مدينة الرياض»، ناقشت واقع الحركة المرورية في العاصمة، ومسببات الازدحام، واستعرضت الحلول العملية والمستدامة لمعالجته، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 في تحسين جودة الحياة، ورفع كفاءة المدن، وتعزيز استدامة خدماتها. وتأتي هذه المبادرة من الجامعة امتدادا لرسالتها في خدمة المجتمع، وتأكيدا لدورها كمنصة فاعلة للحوار وتبادل الخبرات، سعيا لبناء فهم أعمق للقضايا التنموية المحلية، وإثراء النقاش العام بمرئيات علمية تدعم صناعة القرار المحلي وتخدم الصالح العام.
وشهدت الندوة طرح عدد من الرؤى والأفكار من المختصين والخبراء حول سبل تطوير منظومة النقل الحضري وتعزيز كفاءة إدارة الحركة المرورية، في ظل النمو السكاني والعمراني المتسارع الذي تشهده مدينة الرياض. غير أن قراءة تحليلية لما طرح خلال الندوة تظهر أن معظم الجهود والآراء المقدمة لفهم مشكلة الازدحام المروري ومعالجتها تركز بصورة رئيسية على الأبعاد الفنية والهندسية، سواء من خلال تحسين إدارة الحركة أو التوسع في البنية التحتية، مع إيلاء اهتمام أقل للجوانب الاقتصادية والسلوكية التي لا تقل أهمية في تفسير الظاهرة ومعالجتها. فعلى الرغم مما حققته المقاربات الفنية من نجاحات ملموسة في تحسين انسيابية الحركة المرورية، فإنها لا تكفي وحدها لإيجاد حلول مستدامة للمشكلة.
فغالبا ما تنصرف المعالجات الراهنة إلى إدارة جانب الطلب عبر تنظيم الدخول إلى بعض المحاور الرئيسة، وتحسين توقيت الإشارات وتطبيق ما يعرف بـ(الموجة الخضراء)، أو تبني أنماط العمل المرن وتشجيع النقل العام، فضلا عن إدارة جانب العرض من خلال إنشاء الطرق والجسور وتوسعة البنية التحتية. ومع أهمية هذه التدخلات، فإنها تظل في جوهرها محاولات لزيادة الكفاءة التشغيلية للطريق أو رفع طاقته الاستيعابية، دون التطرق بصورة كافية إلى سؤال مهم يتعلق بكيفية تخصيص هذا المورد المحدود بين مستخدمين تختلف احتياجاتهم وتتباين أولوياتهم وقيمة الوقت بالنسبة لكل منهم. فالازدحام المروري ليس مجرد مشكلة هندسية ناجمة عن قصور في البنية التحتية أو ضعف في إدارة الحركة، بل هو مشكلة كيفية تخصيص استخدام الطريق كمورد محدود. ويتضح ذلك جليا، عندما يتجاوز الطلب على استخدام الطريق طاقته الاستيعابية، يصبح السؤال المحوري: من يحظى بأولوية الاستخدام؟ وكيف يمكن المفاضلة بين مستخدمين تختلف المنافع التي يحققونها من الرحلة والتكاليف التي يترتب عليهم تحملها نتيجة التأخير؟
إن افتراض تساوي جميع مستخدمي الطريق في حاجاتهم وأولوياتهم لا يعكس الواقع، فهناك رحلات ترتبط بحالات طارئة تستوجب أولوية قصوى، مثل مركبات الإسعاف والإطفاء والأجهزة الأمنية، وهناك مستخدمون ترتفع لديهم القيمة الاقتصادية للوقت بصورة كبيرة، بحيث تترتب على التأخير تكاليف اقتصادية ومهنية مرتفعة. ومن ثم فإن إدراك هذا التفاوت في تفضيلات الأفراد وأولوياتهم وقيمة الوقت لديهم يمثل نقطة الانطلاق نحو تبني سياسات أكثر واقعية وكفاءة في إدارة الازدحام، بدلا من الاقتصار على السعي المستمر في زيادة السعة المرورية أو تحسين التدفق المروري فقط.
وعليه، فإن التعامل مع جميع مستخدمي الطريق بمعيار واحد قد يبدو عادلا من منظور الإدارة البيروقراطية التي تميل إلى تقديم الخدمة بالتساوي دون تمييز. ذلك أن النهج البيروقراطي يعجز بطبيعته عن استيعاب اختلاف تفضيلات الأفراد، وتباين قيمة الوقت لديهم، وتفاوت المنافع والتكاليف المترتبة على استخدام الطريق. ومن ثم، فإن توزيع حق استخدام مورد محدود على الجميع بصورة متساوية قد يؤدي في الواقع إلى هدر جزء من المنافع الاقتصادية والاجتماعية الممكن تحقيقها، بل قد لا يحقق العدالة المنشودة، إذ ليس من العدل المساواة!
ومن هنا يبرز دور آلية السوق بوصفها أداة فعالة للكشف عن تفضيلات الأفراد وترتيب أولويات الاستخدام من خلال نظام الأسعار، الذي يربط بين تكلفة الاستخدام والمنفعة المتحققة منه بصورة مباشرة. فبدلا من افتراض تساوي جميع المستخدمين في حاجتهم إلى الطريق، تتيح آلية التسعير لكل مستخدم التعبير عن القيمة التي يمثلها الوقت بالنسبة له، الأمر الذي يسهم في تخصيص استخدام الطريق بصورة أكثر كفاءة ويعزز المنفعة الجماعية.
ويمكن تطبيق هذه الآلية من خلال تخصيص مسارات في الطرق الرئيسة خلال أوقات الذروة، تتاح للراغبين في الوصول إلى وجهاتهم في وقت أقصر مقابل رسوم استخدام. وتحدد هذه الرسوم بصورة مرنة وفقا لمستوى الازدحام، بحيث ترتفع مع زيادة الطلب وتنخفض مع تراجعه، بما يضمن المحافظة على انسيابية الحركة داخل المسار من جهة، وربط تكلفة الاستخدام بحجم المنفعة المتحققة للمستخدم أو بما يعادل تكلفة التأخير التي يتجنبها من جهة أخرى. كما يمكن توظيف هذا النظام لتعزيز أهداف اجتماعية وبيئية أوسع، من خلال تشجيع النقل الجماعي ومشاركة المركبات، وذلك بالسماح للمركبات التي تقل راكبين أو أكثر باستخدام المسار السريع مجانا أو برسوم مخفضة خلال أوقات محددة. وبهذه الطريقة لا يقتصر أثر النظام على تحسين إدارة الازدحام المروري فحسب، بل يمتد إلى رفع كفاءة استخدام الطرق حسب أولويات المستخدمين.
وصفوة القول، تتطلب معالجة الازدحام المروري تبني سياسة نقل متكاملة وحوكمة محلية تخلق توازنا مستداما يحقق المستهدفات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية للعاصمة الرياض، وتفتح الآفاق مستقبلا أمام القطاع الخاص للاستثمار في بناء وتشغيل طرق سريعة وبديلة داخل المدينة. أما على المدى المنظور، فالإجراء الأمثل يكمن في إطلاق مشاريع تجريبية لتخصيص مسارات سريعة على المحاور الأكثر اختناقا لتقييم كفاءتها، مع الاعتماد على منظومة التسعير الذكي، وتدوير عوائد هذه الرسوم لتطوير وتجويد بدائل النقل العام، بما يضمن إرساء منظومة تنقل كفؤ ومستدامة.

















0 تعليق