نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
أزمة الندية العلمية في الدراسات الأكاديمية, اليوم الخميس 25 يونيو 2026 01:15 صباحاً
من المفترض أن تصبح البيئة الأكاديمية مجالا معرفيا مفتوحا للحوارات والإضافات، وكذلك العلاقة بين الأستاذ الجامعي وطلبة الدراسات العليا تقوم على مبدأ التكامل المعرفي. إلا أن هنالك معضلة يمكن أن أصفها بـ(أزمة الندية العلمية)، حين يتعامل بعض الأكاديميين بالفوقية مع طلابهم الذين يمتلكون قدرة نقدية مثيرة وفكرية مؤثرة.
تبرز الأزمة بمجال الدراسات الإنسانية أكثر كعلم النفس والاجتماع والأدب والفلسفة والفنون والتاريخ والإدارة.. إلخ، لأنها تقوم على التراكمات المعرفية والاجتهادات العقلية، لا على الحقائق الرقمية الجامدة. فإضافة رأي الباحث تعتبر جوهر العملية البحثية. ومع ذلك، قد يواجه بعض طلبة الدراسات العليا حالة من التضييق غير المعلن عندما يحاولون تقديم قراءة جديدة أو رأي مستقل أو طرح مغاير.
روى لي أحد الطلبة بمرحلة الدكتوراه أنه قدم بحثا لأستاذه، وأضاف ضمن محاوره رأيه الشخصي بظنه أنه إثراء علمي جديد؛ غير أن أستاذه فاجأة بقوله «يا ليت تحتفظ برأيك لنفسك»؛ وسمعت من طالبة دكتوراه اتهمتها أستاذتها بالسرقة البحثية واستخدامها لتقنية «التشات جي بي تي» علما بأنها ناقشتها وعززت بحثها بالخطوات والمعايير العلمية المطلوبة؛ وطالب آخر أخبره مشرفه «بأن الدكتوراه ليست بالساهل ولن تتخرج طالما أنا موجود بالقسم».
معظم الأكاديميين بالوطن العربي الذين تم ابتعاثهم لجامعات أجنبية غربية وبعدما حصلوا على درجات الماجستير والدكتوراه وعادوا لأوطانهم أخبروا عن تجاربهم المتميزة مع أساتذتهم آنذاك في التعاملات الأكاديمية والإدارية؛ من حيث التسهيل في الواجبات والتيسير في المناقشات والمرونة في اللقاءات؛ فلماذا لا يعكسون تلك التعاملات الماضية مع طلابهم اليوم؟
برأيي، إن هذه المتلازمة تصدر من بعض الأكاديميين إما للشعور بالاستعلاء أو حدوث الغيرة المهنية أو حالة من الضعف بالشخصية؛ هنالك أساتذة لا ينظرون للطالب على أنه مرشح أكاديمي مثلهم ويعاملونه كباحث واعد يحتاج للدعم والتشجيع، بل يحاولون تكسير مجاديفه وعرقلته؛ وهنا تتحول الجامعة من مصنع لإنتاج المعرفة إلى بيئة تعزز التلقين وتخشى الاجتهاد.
فالأزمة لا تكمن في الاختلاف العلمي، فالاختلاف أساس التطور المعرفي، وإنما في الشخصنة والحساسية المسقطة من الأستاذ تجاه الرأي الجديد. وهذا ما يدفع بعض الطلبة لتجنب الطرح النقدي والاكتفاء بالتكرار والاقتباس خشية التعطيل والتقليل من جهودهم ومنتجاتهم البحثية.
لا تنهض الأبحاث إلا بالحوار العلمي الحر، وإلا فإن الطالب يستمر كآلة منفذة لتفعيل النقل، لا لإعمال العقل؛ كما أن الأكاديمي الحق لا يخشى تفوق طلابه، بل يرى فيهم امتدادا لنجاحه العلمي.
إن الحاجة اليوم ضرورية لتعزيز أخلاقيات الإشراف الأكاديمي، بترسيخ ثقافة تقبل الرأي المختلف ما دام منضبطا بالمنهج العلمي والاحترام المعرفي. فتعدد الفكر ووجهات النظر تثري المؤسسة الأكاديمية وتمنحها الحيوية. أما البيئة التي تحارب الاجتهاد، فإنها تنتج باحثين مستنسخين غير قادرين على صناعة المعرفة وإعمار الأرض.
Yos123Omar@
















0 تعليق