نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الأمير محمد بن سلمان يرسم معادلة الشرق الأوسط الجديد, اليوم الأحد 14 يونيو 2026 11:28 مساءً
في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تعيد رسم خرائط النفوذ وموازين القوة في الشرق الأوسط تبرز المملكة العربية السعودية بقيادة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بوصفها القوة الإقليمية الأكثر قدرة على صياغة معادلة جديدة للاستقرار تتجاوز منطق المحاور التقليدية والاستقطابات الحادة. فالمشهد الراهن لا يتعلق فقط بمحاولة منع تجدد الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران بل يرتبط بإعادة تعريف مفهوم الأمن الإقليمي نفسه، وكيفية إدارة التوازنات الكبرى في منطقة كانت لعقود طويلة ساحة لتصفية الحسابات الدولية والإقليمية.
وفي هذا السياق تبدو الجهود السعودية الرامية إلى منع انزلاق المنطقة نحو مواجهة واسعة مع إيران جزءا من رؤية استراتيجية أشمل، لا تنطلق من حسابات تكتيكية مؤقتة، بل من إدراك عميق بأن أي حرب جديدة ستنتج تداعيات تتجاوز حدود أطرافها المباشرين؛ لتصيب الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة والممرات البحرية والاستقرار الإقليمي في الصميم. ومن هنا جاء التحرك السعودي باعتباره مشروعا لإدارة المستقبل لا مجرد استجابة لأزمة آنية.
وقد كشفت السنوات الأخيرة عن تحول نوعي في فلسفة السياسة السعودية. فبينما كانت المنطقة تعيش وفق معادلات تقوم على إدارة الفوضى وتدوير الأزمات اختارت الرياض الاستثمار في صناعة الاستقرار. ولذلك لم تنظر إلى التصعيد مع إيران باعتباره فرصة لإعادة تشكيل التوازنات بالقوة بل باعتباره تهديدا مباشرا لمستقبل المنطقة التنموي ولمشاريع التحول الاقتصادي الكبرى التي تتطلب بيئة آمنة ومستقرة وقابلة للنمو والاستثمار.
وفي هذا الإطار تكتسب النقاشات المتزايدة داخل مراكز الفكر الأمريكية أهمية خاصة. فالتقارير والتحليلات الصادرة عن دوائر مؤثرة في واشنطن باتت تعكس إدراكا متناميا بأن السياسة السعودية لم تعد تتعامل مع موقعها الإقليمي وفق القوالب القديمة. فالمعادلة التي حكمت المنطقة لعقود طويلة كانت تقوم على افتراض أن التحالفات الإقليمية تتحرك وفق أولويات القوى الكبرى، وأن الأمن الإقليمي يمكن هندسته عبر ترتيبات خارجية تفرض من الأعلى إلى الأسفل. غير أن الواقع الحالي يشير إلى أن الرياض باتت تنطلق من رؤية مستقلة تضع المصالح الوطنية والإقليمية في المقام الأول.
ومن هذا المنطلق، يمكن فهم العديد من المواقف السعودية خلال السنوات الأخيرة. فالمملكة لم تبتعد عن شركائها التقليديين ولم تدخل في مواجهة مع أحد، لكنها في الوقت ذاته أعادت صياغة مفهوم الشراكة على أساس الندية والمصالح المتبادلة، ولهذا فإن النقاش حول صفقات السلاح أو الترتيبات الأمنية لا يعكس خلافا بقدر ما يعكس تحولا في طبيعة العلاقة نفسها. فالسعودية لم تعد تبحث عن الحماية بقدر ما تعمل على بناء منظومة قوة وطنية متكاملة تجعلها شريكا مؤثرا في صناعة الأمن الإقليمي والدولي.
وتظهر هذه الرؤية بوضوح في مسار تطوير القدرات الدفاعية السعودية، وتنويع الشراكات العسكرية والتكنولوجية، وتعزيز التصنيع المحلي، ونقل المعرفة وتوطين الصناعات المتقدمة. فالمسألة لم تعد مرتبطة بشراء منظومات عسكرية بعينها بل ببناء قاعدة استراتيجية طويلة المدى تضمن استقلالية القرار الوطني وقدرة الدولة على حماية مصالحها في عالم يتجه نحو تعدد الأقطاب وتراجع الاحتكارات التقليدية للقوة والتكنولوجيا.
ومن زاوية أوسع فإن المملكة تدرك أن أمن الشرق الأوسط لا يمكن أن يبنى على إقصاء قوة إقليمية كبرى أو على فرض هيمنة طرف واحد على بقية الأطراف. ولذلك تبنت الرياض مقاربة تقوم على تحقيق التوازنات ومنع الانفجارات الكبرى وفتح قنوات الحوار وتغليب الحلول السياسية. وهذه السياسة هي التي تفسر جهودها المتواصلة لخفض التوتر مع إيران ومنع تحول الخلافات القائمة إلى صراع شامل قد يدفع المنطقة إلى عقود جديدة من عدم الاستقرار، نظرا لأن:
- المملكة تنظر إلى الاستقرار باعتباره شرطا للتنمية وليس نتيجة لها فقط.
- منع الحرب مع إيران يمثل استثمارا استراتيجيا في مستقبل المنطقة والاقتصاد العالمي.
- بناء القوة السعودية يتم عبر تنويع الشراكات، ونقل التكنولوجيا، وتوطين الصناعات الدفاعية.
- العلاقات الدولية في الرؤية السعودية الحديثة تقوم على المصالح المتبادلة لا على التبعية أو الاستقطاب.
- الأمن الإقليمي المستدام لا يتحقق بالحروب بل بإقامة توازنات تمنع الانفجار وتدعم التنمية.
واللافت أن التحول السعودي يتزامن مع تراجع فاعلية العديد من النماذج التي سادت المنطقة خلال العقود الماضية. فالحروب الممتدة أثبتت محدودية قدرتها على إنتاج حلول دائمة، بينما أظهرت التجارب أن التنمية والاستقرار والتكامل الاقتصادي أكثر قدرة على بناء نفوذ مستدام من الصراعات العسكرية المفتوحة.
ولهذا فإن المملكة تراهن على مشروع إقليمي يقوم على ربط الأمن بالتنمية وربط القوة بالاستقرار وربط السياسة بمصالح الشعوب ومستقبلها.
لهذا فإن ما تشهده المنطقة اليوم ليس مجرد خلافات حول ملفات أمنية أو ترتيبات عسكرية بل عملية إعادة تشكيل عميقة لقواعد اللعبة الإقليمية. وفي قلب هذه العملية تقف المملكة العربية السعودية بقيادة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان باعتبارها قوة تسعى إلى نقل الشرق الأوسط من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة صناعة الفرص.
ومن هنا فإن جهودها لمنع تجدد الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران لا تمثل موقفا ظرفيا أو سياسة احترازية مؤقتة، بل تعكس رؤية استراتيجية متكاملة ترى أن استقرار المنطقة هو المصدر الحقيقي للقوة، وأن المستقبل يصنعه من يمتلك القدرة على منع الحروب أكثر ممن يمتلك القدرة على خوضها.
alatif1969@

















0 تعليق