مأزق الرفاهية

مكه 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
مأزق الرفاهية, اليوم الأحد 14 يونيو 2026 11:28 مساءً


في كل جيل تتكرر حكاية إنسانية جميلة؛ آباء يبذلون أعمارهم في العمل والكفاح أملا في أن يعيش أبناؤهم حياة أفضل من تلك التي عاشوها؛ ولهذا ظل التقدم عبر التاريخ مرتبطا برغبة عميقة في توسيع الفرص وتخفيف الأعباء ورفع مستوى المعيشة، ومع كل خطوة تنموية كانت المجتمعات تقترب أكثر من هذا الحلم، حتى أصبح كثير مما كان يعد أمنية بعيدة المنال جزءا من تفاصيل الحياة اليومية.

وقد شهدت المملكة العربية السعودية خلال العقود الأخيرة تجربة تنموية استثنائية انعكست آثارها على مختلف جوانب الحياة؛ فالأجيال السابقة عاشت مراحل متدرجة من التحول؛ رأت الطرق وهي تشق، والخدمات وهي تتوسع، والفرص وهي تنمو عاما بعد عام، أما الأبناء فقد ولدوا في بيئة أكثر اكتمالا واتساعا، واستقبلوا كثيرا من هذه المنجزات بوصفها جزءا طبيعيا من المشهد الذي نشأوا فيه.

ومن هنا تبدأ إحدى أكثر القضايا الاجتماعية عمقا في عصرنا الحديث؛ فالأب الذي يتذكر سنوات الانتظار قبل شراء أول سيارة، أو الحصول على فرصة تعليمية مميزة، أو السفر خارج مدينته، ينظر إلى تلك المحطات بوصفها إنجازات صنعت جزءا من ذاكرته وتجربته، وفي المقابل ينظر الابن إلى كثير من هذه الأشياء باعتبارها مكونات أساسية للحياة اليومية، وبين التجربتين تتشكل فجوة هادئة في إدراك قيمة المكتسبات.

ولا يتعلق الأمر بالأشياء في ذاتها بقدر ما يتعلق بالرحلة المؤدية إليها، فالإنسان يرتبط وجدانيا بما بذل من أجله جهدا، ويمنح أهمية أكبر لما انتظره طويلا، ويحمل تقديرا خاصا لما تحقق بعد مراحل من السعي، ولهذا كانت الرحلة جزءا من القيمة، وكانت المسافة بين الرغبة والوصول تسهم في بناء المعنى الذي يرافق الإنجاز.

ومع اتساع دائرة الرفاهية تقلصت تلك المسافة في جوانب كثيرة من الحياة، فأصبحت الخدمات أسرع، والخيارات أكثر، والاحتياجات أقرب إلى التحقق من أي وقت مضى، ومع هذا التحول انتقل مركز الاهتمام تدريجيا من تقدير ما تحقق إلى التطلع لما هو قادم، وأصبحت التوقعات تنمو بوتيرة متسارعة تواكب سرعة التحسن الذي تشهده المجتمعات الحديثة.

جاءت وسائل التواصل الاجتماعي لتمنح هذه التوقعات مساحة أوسع؛ فالإنسان بات يطل يوميا على أنماط متنوعة من الرفاهية والنجاح والإنجاز الشخصي، ويتنقل بين صور وتجارب تفوق في كثير من الأحيان حدود واقعه المباشر، ومع تكرار هذه المشاهد تتشكل معايير جديدة للحياة الجيدة، وتبدأ المقارنات في رسم صورة ذهنية متحركة يصعب أن تستقر عند حد معين.

وتجد الأسرة نفسها أمام تحد مختلف عن التحديات التي عرفتها الأجيال السابقة، ففي الماضي كان السؤال يدور حول كيفية توفير الفرص، أما اليوم فيدور جانب مهم منه حول كيفية بناء الوعي بهذه الفرص، فالمهمة التربوية لم تعد مرتبطة بتأمين الاحتياجات وحدها، بل أصبحت تشمل تنمية القدرة على تقديرها، وفهم الجهد الكامن وراءها، وربط الإنجاز بمعناه الإنساني قبل مظهره المادي.

ومن هنا تبرز أهمية غرس القيم التي تمنح الأشياء وزنها الحقيقي؛ كالصبر، وتحمل المسؤولية، والاعتماد على النفس، وتقدير العمل، واحترام الزمن، وهذه المعاني تساعد الأبناء على بناء علاقة متوازنة مع ما يملكون، وتمنحهم قدرة أكبر على الاستفادة من الفرص دون أن تتحول وفرتها إلى أمر عابر يمر من حولهم دون أثر.

لعل مأزق الرفاهية لا يكمن في الرفاهية نفسها، فهي ثمرة طبيعية للتنمية وغاية مشروعة تسعى إليها المجتمعات الناجحة، وإنما يكمن في الفجوة التي قد تنشأ بين اتساع النعم واتساع الوعي بها، وعندما يلتقي التقدم المادي مع النضج الثقافي والتربوي تصبح الرفاهية قوة تدعم الاستقرار النفسي والأسري، وتتحول المنجزات من مجرد وسائل للعيش إلى أدوات تصنع إنسانا أكثر قدرة على فهم قيمة ما بين يديه، وأكثر استعدادا لبناء ما هو أفضل لمن يأتي بعده.

Drmutir@

أخبار ذات صلة

0 تعليق