نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
هوية الأزمة, اليوم الأحد 30 أغسطس 2026 12:41 مساءً
ليست المشكلة في أنّ مجتمعاتنا العربية عرفت الأزمات؛ فكل الأمم عرفتها وأنهكتها أزماتها المختلفة الأسباب. المشكلة أنّ بعض المجتمعات تُحوّل أزماتها إلى خبرة تتعلم منها وتتجاوزها، بينما تتحوّل الأزمة في غالبية مجتمعاتنا إلى هُويّة تستقر فيها، ومرآة ترى بها نفسها والعالم.
عندها لا تعود الأزمة مرحلة عابرة في تاريخ المجتمع، بل تصبح جزءًا من وعيه، ومن لغته السياسية، ومن تفسيره الدائم لما يحدث حوله. وحين تتحوّل الأزمة إلى هُويّة، يصبح الخروج منها أصعب من مجرد حل أسبابها؛ لأنّ المجتمع لا يعود يواجه الأزمة فحسب، بل يبدأ في إعادة إنتاجها والتكيف معها، حتى تبدو له وكأنها قدر لا يمكن الفكاك منه.
وفلسطين ليست خارج هذا السياق؛ بل هي المرآة الأكثر جلاءً لهذه الظاهرة، لأنّ أزمتها من أقدم الأزمات وأكثرها تعقيدًا واستدامة، حتى غدت نموذجًا تعليميًا لكيف يمكن أنْ يتحوّل الألم إلى هُويّة.
ولا يعني هذا التشخيص أنّ الخروج من الأزمة ممكن بإرادة داخلية منفردة، في وقت يُعيد فيه الاحتلال إنتاج شروط الأزمة ذاتها يوميًا؛ فالعلاقة غير متماثلة، والضغط الخارجي ليس مجرد خلفيّة، بل عامل فاعل في تشكيل واقعنا ووعينا الفلسطيني.
لكن الاعتراف بهذا التفاوت لا ينبغي أنْ يحوّلنا إلى ضحايا سلبيين؛ بل إلى فاعلين نقديين ندرك أنّ وعينا بآليات أَسرِنا هو شرط تحررنا الأول. فما لم نمتلك الجرأة على كشف آلياتنا الداخلية في إعادة إنتاج الألم، سنظل نمنح الاحتلال خدمة مجانية؛ وسنظل أسرى هُويّة الضحية التي يريدنا أنْ نكونها.
وقد تعرّض شعبنا الفلسطيني فعلًا لاحتلال وتدخلات وحروب وظلم لا يجوز إنكارها أو التقليل منها، ولا إعفاء المسؤولين عنها من المساءلة. لكن الاعتراف بالمظلومية شيء، وتحويلها إلى هُويّة دائمة شيء آخر. فالظلم قد يفسر جانبًا من الماضي، لكنه لا ينبغي أنْ يُمنح حق تقرير المستقبل.
ومن هنا، فإنّ حماية الكيانية السياسية الفلسطينية لا تبدأ بإعادة تدوير الأزمة عبر ملهاة انتخابية فصائلية، ولا بانتخابات تُصاغ وفق مواصفات خارجية، بل باستعادة مسار الاهتمام الوطني، وإعادة بناء المجال السياسي على قاعدة الشراكة الوطنية، بحيث تصبح الانتخابات أداة لتجديد الشرعية، لا وسيلة لإعادة إنتاج الانقسام.
والسؤال الذي يطرح نفسه على الفصائل المتحمسة للعملية الانتخابية: هل ستدخلها وفق نموذج غزة، التي تسير عمليًا نحو تدويل متزايد لشأنها السياسي والإداري، إنْ لم يكن نحو فرض شكل من أشكال الوصاية عليها؟ أم وفق مرجعيات أوسلو؟ أم تحت مظلة المحاصصة الفصائلية، والعصبية القَبليّة؟ أم أنّ الانتخابات ستكون مدخلًا إلى إعادة تأسيس النظام السياسي الفلسطيني على قاعدة وطنية جديدة، تتجاوز هذه الصيغ جميعًا ولا تعيد إنتاج الأزمة في صورة أخرى؟
السؤال الأهم: هل نحن ذاهبون إلى انتخابات لتجديد النظام السياسي، أم إلى انتخابات لإضفاء الشرعية على ترتيبات سياسية جديدة يجري تشكيلها من خارج النظام الوطني؟
فالمطلوب ليس أنْ ننتخب داخل الأزمة، وإنما أنْ نمتلك الشجاعة السياسية للخروج منها؛ وإلا سنظل نعيد تدوير أنفسنا في حلقة مفرغة، نصنع فيها أعداءنا بأيدينا، ونمنحهم شرعية الاستمرار.
















0 تعليق