نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
حضرموت: العلم والسلم والحلم.. في زمن الظلم مجددا, اليوم الخميس 1 يناير 2026 02:17 صباحاً
في اللحظات التاريخية الفارقة، حين تتلاطم أمواج الصراعات وتبرز الأطماع كلاعب أساسي في رسم خرائط النفوذ، لا تبحث الشعوب الحية عن مخبأ، بل تستدعي جوهر هويتها لتواجه به العاصفة. وهنا تبرز حضرموت، لا كطرف في نزاع سياسي عابر، بل كمنظومة قيمية متكاملة وقوة ناعمة صمدت لقرون. إنها المحافظة التي قررت أن تواجه «زمن الظلم» والاستقواء من جديد بثلاثيتها الخالدة: العلم والسلم والحلم، محولة هذه القيم من موروث تاريخي إلى درع استراتيجي يحمي الأرض والإنسان.
تبدأ حكاية الصمود الحضرمي من «العلم»؛ ذلك السلاح الذي لم يكن يوما مجرد تحصيل أكاديمي في أروقة تريم أو رباطات الشحر، بل كان أداة لضبط الإيقاع الاجتماعي وصناعة الوعي الجمعي. في زمن الظلم، يبرز العلم كحائط صد ضد محاولات التجهيل الممنهج، حيث يدرك الحضارم أن الجهل هو الثغرة التي تنفذ منها الأطماع. لقد علم التاريخ هذه البلاد أن القوة الحقيقية تكمن في المعرفة التي تدير الموارد وتحصن الهوية، ولذا فإن التمسك بالعلم اليوم هو فعل مقاومة مدنية يمنع تحويل المجتمع إلى وقود لصراعات لا تخدم مستقبله، ويؤكد للعالم أن حضرموت تمتلك الكفاءة لإدارة شؤونها بعيدا عن الوصاية المركزية أو الأجندات الوافدة.
ويأتي «السلم» ليكون الركيزة الثانية في هذه المواجهة، وهو خيار لا ينبع من ضعف، بل من إدراك عميق لكلفة الفوضى. في محيط يغلي بلغة السلاح، تمسكت حضرموت بسلميتها كقرار سيادي، رافضة الانجرار إلى مشاريع الاحتراب بالوكالة. هذا السلم الاجتماعي هو الذي كشف الأطماع وجعلها تبدو عارية أمام استقرار المجتمع ومؤسساته؛ فالمطامع تزدهر في بيئات التفتت، وتختنق في أجواء الأمن والتعايش. إن السلم الحضرمي اليوم هو «البيئة الجاذبة» التي تثبت أن هذه الأرض هي المنارة الوحيدة المتبقية لبناء نموذج الدولة المدنية، وهي الرسالة الواضحة لكل القوى الطامعة بأن حضرموت أرض بناء لا ساحة فناء، وأن أمنها خط أحمر تضمنه وحدة أبنائها ورفضهم للعنف.
وفي هذا السياق، يتناغم النهج الحضرمي السلمي مع الدور الريادي والمحوري للمملكة العربية السعودية، التي أثبتت عبر تاريخها أنها صمام أمان لاستقرار المنطقة والعالم. إننا نثمن ونؤيد المواقف الراسخة للمملكة في احتواء الأزمات وفض النزاعات، سواء في محيطنا العربي أو على مستوى العالم أجمع. فمن خلال تفعيل دور المنظمات الدولية والتمسك بالطرق السلمية والدبلوماسية الحكيمة، استطاعت السعودية أن تقدم نموذجا عالميا في إرساء دعائم السلام وحماية الشعوب من ويلات الحروب، وهو ما يلتقي تماما مع تطلعات أبناء حضرموت في العيش بسلام بعيدا عن دوامات العنف والظلم.
أما «الحلم»، تلك الحكمة والأناة التي تميز بها الإنسان الحضرمي، فهي الأداة السياسية الأذكى في إدارة الصراع مع القوى التي يسيل لعابها أمام ثروات المحافظة وموقعها الاستراتيجي. الحلم في زمن الظلم يعني النفس الطويل، والقدرة على المناورة دون التفريط في الثوابت، والتمسك بالحقوق السياسية والاقتصادية عبر القنوات المشروعة والكيانات الجامعة. إنها الحكمة التي تمنع ردود الفعل العشوائية وتحافظ على وحدة الصف الحضرمي في مواجهة محاولات التمزيق. الحلم لا يعني القبول بالظلم، بل يعني الذكاء في انتزاع الحقوق، واليقين بأن صاحب الأرض هو الأبقى، وأن العواصف العابرة لا تهز الجبال الراسخة.
إن حضرموت اليوم، وهي تواجه هذه التحديات الجسيمة، لا تطلب إحسانا ولا تستجدي حقا، بل تفرض استحقاقا صاغته بوعيها وتضحياتها. إن اجتماع العلم الذي يدير، والسلم الذي يحمي، والحلم الذي يقود، مدعوما بمواقف الأشقاء الأوفياء وفي مقدمتهم المملكة العربية السعودية، هو الترياق الوحيد الذي سيحطم أمواج الأطماع مجددا. فمهما تطاول زمن الظلم، ستظل حضرموت هي الرقم الصعب في معادلة الاستقرار، والنموذج الذي يثبت للجميع أن الشعوب التي تتسلح بوعيها وقيمها هي وحدها التي تعبر نفق الأطماع نحو فجر السيادة والحرية.
aabankhar@

















0 تعليق