نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
حفلة الجنون في اليمن, اليوم الاثنين 5 يناير 2026 04:15 صباحاً
اختلطت الأوراق. الأزمات لها أدوار خفية، أهمها تمييز الغث من السمين. وكشف من يسير في أجندات خارجية ونفعية خاصة. صوت العقل يقول إن الوطن فوق كل اعتبار. هناك من يفهم ذلك؛ ومن لا يراه ذا جدوى. النفوذ والدولار الأخضر أهم من كل شيء.
يرى نفسه من حرر عدن من قبضة المتمرد الحوثي عام 2015. استكبر على الدولة. يناصره ثلة يرون فيه مخلصا لقضية الجنوب من حيث الانفصال والعودة إلى ما قبل الوحدة عام 1990.
تعاظمت شخصيته، تحول إلى حاكم بأمر الله، يحل ويربط، يقرر ويفصل في الملفات الحساسة، لا يفقه في السياسة، يجهل الاستراتيجيات والأبعاد الاجتماعية. يحاول تغييب وعي الشعب الجنوبي، الذي يدرك أن عمقه التاريخي والسياسي والأمني، لا يمكن عزله عن السعودية.
انكشفت شخصية عيدروس الزبيدي في الأزمة الأخيرة التي حلت بحضرموت والمهرة. اتخذ قرارات أحادية، عكست وأكدت تنصله من المسؤولية الوطنية، وتعمد إخلاله بدوره السياسي. أنتج المشهد القادم من هناك، حرصه على تقديم مصالحه الشخصية النابعة من تنفيذ أجندات وأوامر تأتيه من أبوظبي؛ على تلبية تطلعات أبناء الجنوب وخدمة قضيتهم.
من المؤسف أن الدور الإماراتي لم يأخذ بعين اعتباره الأمن الوطني والقومي للمملكة. تستطيع أبو ظبي تحييد رجلها وخادمها عن المشهد، طالما أن وجود حالة عسكرة على الحدود الجنوبية للسعودية، أمر مؤثر على أمنها. لطالما ظهرت الإمارات بمظهر الحريص على الأمن السعودي. لكن ذلك عمليا وواقعيا يتنافى مع بعض التصرفات.
لماذا وجود حركة مسلحة على حدود المملكة أمر مضر؟ من الطبيعي أن ترفض أي دولة وجود مسلحين خارج إطار الدولة على حدودها. السؤال: هل ستقبل الإمارات وجود ميليشيا مسلحة، كحزب الله، أو جماعة الحوثي على حدودها؟ بالطبع لا. وإلا ستكون قد فرطت في أمنها القومي، وارتضت تعريضه للزعزعة والخلل.
تحارب تركيا الأكراد منذ عقود. لماذا؟ خشية من نزعتهم القومية، ورغبتهم في الحكم الذاتي والاستقلال. ما يعد تهديدا لوحدة الأراضي التركية. بين الفينة والأخرى تقصف أنقرة فصائل كردية مسلحة تعتبرها إرهابية، مثل PKK. والعالم يصمت أمام ذلك، تحت إطار أحقية حماية الأمن القومي التركي. الحالة الكردية بالنسبة لتركيا، تشبه الحالة التي يحاول الزبيدي ومن معه ومن يأتمر بأمره، إنشاءها على حدود متاخمة للسعودية.
أعتقد أن الأمور ما إذا نظرنا له في سياقها الصحيح، سنجد أنه من حق الرياض حماية أمنها القومي. هذا من جانب. من آخر، فهي - أي المملكة - لم تتوقف عن محاولات رأب الصدع الذي أحدثته تلك الثلة المارقة، وهذا يتأكد من قبولها طلب رئيس المجلس الانتقالي الرئاسي اليمني، بعقد مؤتمر تحتضنه العاصمة الرياض، لبحث سبل حل الأزمة التي طرأت على اليمن، وزادت من الفرقة بين أبناء البلد الواحد.
الطلب الذي قبلته السعودية وضع الأطراف الجنوبية اليمنية بوزن جميع المكونات، دون استثناء أو إقصاء، وهذا يعطي دلالات تؤكد حرصها على لم شمل جميع اليمنيين، وفي الوقت ذاته، الإيمان بدعم القضية الجنوبية، باعتبارها قضية عادلة، إذ لا يمكن تجاوزها في أي تسوية سياسية، وهي القضية ذات الأبعاد التاريخية والاجتماعية، وأن السبيل الوحيد لمعالجتها، هو الحوار البناء ضمن الحل السياسي الشامل في اليمن، وليس بحمل السلاح.
وعلى هذا الأساس، يجب القول، إن المجلس الانتقالي يعد مكونا جنوبيا واحدا، ولا يملك الحق في احتكار التمثيل واختزال الجنوب فيه على حدة. وهذا يقطع الطريق أمام فكرة الخطاب الواحد. فحل القضية الجنوبية بالضرورة أن يقوم على حوار يجمع كل الأطراف والمكونات الجنوبية، لا الاستئثار بالصوت الجنوبي من قبل طرف واحد.
من خلال هذه الصورة لمن يرى الأمور بعين محايدة وصادقة، يجد أن المملكة تحاول دعم ملف الجنوب لا تصفيته، بحسب ما يردد بعض المرتزقة في الإعلام العربي. إذ إن السعودية لم تقف تاريخيا أمام تطلعات الشعب اليمني، سواء في الجنوب أو الشمال، بل كانت تعمل لصالح جارتها الجنوبية في الخفاء أكثر من العلن، وباتت أحد أكثر الدول التي يعتد برأيها فيما يتعلق باليمن.
أتصور أن الإعلان الدستوري الذي أصدره الزبيدي، يكشف عن سعيه لتحقيق مكاسب شخصية، ولا سيما أنه نصب نفسه رئيسا بلا أي مستند شرعي ولا قبول شعبي. وهذا بنهاية المطاف لا يخدم القضية الجنوبية بقدر ما يضر بها.
الجنوب اليمني اليوم، يمر بمرحلة دقيقة وحساسة، وذلك يستدعي تقديم تضحيات من قبل الشرفاء، تضع باعتبارها تحمل المسؤولية الوطنية والأخلاقية، ومصارحة الرأي العام، عبر قرارات شجاعة، ترمي بالدرجة الأولى لحماية الإنسان، وصون أمن الوطن، والحفاظ على مؤسساته.
إن استغلال القضية الجنوبية العادلة، والقفز عليها بالمزايدات، بهدف تحقيق المصالح الشخصية، أمر يحقق الإضرار بها، وينسف كل ما حققته من مكاسب، نتجت عن مؤتمر الحوار الوطني الذي أجري عام 2014، واتفاق الرياض عام 2019، ونقل السلطة في 2022.
لا غرابة أن يمد الزبيدي ومن يدور في فلكه، أيديهم للحوثي المجرم. هذا متوقع. لذلك يجب على الشرفاء في اليمن رفع الصوت. مواجهة أولئك جزء من الوطنية. لاستعادة وطنهم.. وإيقاف حفلة الجنون الدائرة.
















0 تعليق