نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
عدوى الضوء... حين يتحول الإلهام إلى ظاهرة إنسانية, اليوم الاثنين 5 يناير 2026 04:15 صباحاً
تبدو الكتابة في جوهرها فعلا فرديا خالصا؛ إذ تنبثق من عزلة فكرية يغذيها التأمل، ويوقظها القلق المعرفي، ومع ذلك فإن هذا الفعل المنعزل لا يلبث أن يتجاوز حدوده الشخصية ليصبح طاقة تحدث أثرا في الآخرين، وتستثير فيهم الرغبة في أن يقولوا أيضا، وهنا تنشأ ما يمكن تسميته بـ(عدوى الضوء)، الظاهرة التي يتحول فيها الإبداع من تجربة ذاتية إلى إشعاع يوقظ ما كان خامدا في محيطه الإنساني والثقافي.
إن عدوى الضوء ليست استعارة عابرة، بل مفهوم يمكن تفسيره ضمن علم النفس الاجتماعي والثقافة الإبداعية، فكما تنتقل العدوى البيولوجية عبر الاتصال الجسدي، تنتقل العدوى الفكرية عبر التجاور الوجداني والمعرفي، وحين يكتب أحدهم نصا أصيلا أو فكرة نادرة، يفتح في الوعي الجمعي مسارا جديدا للتفكير، فيجد الآخرون أنفسهم، من حيث لا يشعرون، منجذبين إلى الفضاء ذاته الذي أناره، إنها طاقة رمزية تشبه ما يسميه بيير بورديو بــ(رأس المال الرمزي)، إذ تمنح صاحبها قدرة على التأثير دون سلطة مباشرة، من خلال ما يخلقه من شرعية فكرية ووجاهة ثقافية.
وفي البيئة الثقافية، تظهر عدوى الضوء جانبا مزدوجا: فهي حالة إلهام إيجابي من جهة، واختبار للتمايز من جهة أخرى، فحين يكتب كاتب في صحيفة أو منصة رصينة بلغة عالية ورؤية متجاوزة، يصبح من الطبيعي أن ينجذب إليها آخرون، غير أن هذا الانجذاب لا يعني بالضرورة التقليد؛ فالمبدع الحقيقي لا يفرخ نسخا منه، بل يوقظ الوعي لدى الآخرين ليبحثوا عن أصواتهم الخاصة، وهنا يكمن جوهر الفرق بين عدوى الضوء وعدوى الصدى: الأولى تنتج تفردا جديدا، والثانية تكرس التكرار والتردد.
وعلم النفس المعرفي يقدم تفسيرا قريبا لذلك عبر مفهوم التحفيز الاجتماعي غير المباشر، أي أن الإنسان يستثير قدراته حين يرى آخرين يبدعون في مجال ما، فيتولد لديه دافع داخلي لمحاكاتهم، لا رغبة في المنافسة، بل بحثا عن الشعور ذاته بالجدوى، وبذلك تصبح البيئة الفكرية التي يهيمن عليها مبدع أصيل حاضنة خفية لتفجير المواهب، لأن النور حين يسري لا يختار وجهته، بل يتسلل إلى كل من يحمل قابلية الاستنارة.
أما في السياقات الصحفية تحديدا، يمكن ملاحظة الظاهرة بوضوح: فما إن يكتب كاتب ذو حضور عميق في صحيفة محددة، حتى تبدأ أقلام أخرى في الظهور حوله، بعضهم يأتي بدافع الإعجاب، وبعضهم بحافز الندية، وبعضهم حبا في البريق ذاته، غير أن هذا الحراك - مهما تباينت دوافعه - يدل على حيوية المنبر؛ فالمكان الذي لا يجذب أحدا هو المكان الذي لم يضئ بعد، ومن هذا المنظور فإن وجود أكثر من صوت في المساحة ذاتها لا يهدد تفرد أحد، بل يختبر عمق كل منهم وقدرته على البقاء.
وتمثل عدوى الضوء ظاهرة إنسانية تشبه (التوالد الرمزي) للأفكار، فالفكر حين يعبر عنه بصدق يتحول إلى نسيج حي في الوعي الجمعي، يغذي الآخرين من دون أن ينقص من أصله شيئا، وكما أن الشعلة لا تفقد وهجها حين تشعل شمعة أخرى، كذلك المبدع لا يخسر أثره حين يلهم من حوله، بل إن وجود المقلدين والمتأثرين دليل على أن الفكرة تجاوزت صاحبها لتصبح جزءا من الفضاء العام.
إن الخطر لا يكمن في اتساع العدوى، بل في تحولها إلى ضوء بلا وهج؛ هنا فقط تبهت الفكرة وتتحول من طاقة خلاقة إلى شكل بلا روح، لذلك تظل مسؤولية الكاتب الحقيقي أن يحافظ على منسوب الضوء في كتابته: صدقا، وعمقا، ووعيا بأن دوره لا يقتصر على التعبير، بل يمتد إلى تكوين المناخ الثقافي الذي ينهض فيه الآخرون.
وفي نهاية المطاف، ليست عدوى الضوء تهديدا للتفرد، بل شهادة عليه، فحيثما انتقل أثر الفكرة، دل على أصلها المضيء، والمبدع الذي ينير لغيره لا يخسر ذاته على الإطلاق، بل يثبت أنه كتب ليبصر الناس طريقهم، تلك هي العدوى النبيلة التي لا يرجى الشفاء منها، لأنها في حقيقتها جوهر الوجود الثقافي للإنسان.
















0 تعليق