نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
ثورة البيروفسكايت في عالم الطاقة الشمسية, اليوم الثلاثاء 13 يناير 2026 01:15 صباحاً
لفهم عمق هذا التحول، علينا أولا النظر إلى الواقع الحالي الذي نعيشه مع الألواح الشمسية التقليدية المصنوعة من السيليكون. رغم أن السيليكون مادة ممتازة ومستقرة كيميائيا، إلا أن تحويلها من رمال إلى شرائح الكترونية يتطلب عمليات صناعية معقدة للغاية ومستهلكة للطاقة بشكل شره، حيث يجب صهر السيليكون في أفران عملاقة بدرجات حرارة تصل إلى 1400 درجة مئوية لتنقيته وبلورته، مما يرفع التكلفة الرأسمالية للمصانع ويجعل المنتج النهائي عبارة عن ألواح صلبة، ثقيلة، وهشة تتطلب إطارات معدنية وزجاجا سميكا للحماية. هذه الخصائص الفيزيائية تحد من أماكن استخدامها، فلا يمكننا وضعها بسهولة على الأسطح المنحنية أو الواجهات الزجاجية الشفافة.
في المقابل، يظهر "البيروفسكايت" كحل سحري من منظور هندسة المواد. البيروفسكايت ليس مادة كيميائية واحدة، بل هو عائلة واسعة من المواد التي تتشارك في هيكل بلوري هندسي فريد يمنحها قدرة فائقة على امتصاص الضوء وتوليد الشحنات الكهربائية. الثورة الحقيقية هنا ليست في الكفاءة فحسب، بل في "قابلية التصنيع". فبدلا من الأفران والحرارة العالية، يمكن تحضير مواد البيروفسكايت على شكل "أحبار" أو محاليل كيميائية سائلة في درجات حرارة منخفضة نسبيا. هذا يعني أننا نقترب من يوم نستطيع فيه حرفيا "طباعة" الخلايا الشمسية في لفائف ضخمة مثلما نطبع الصحف والمجلات، أو طلاء الأسطح المختلفة بها. هذا التحول في طريقة الإنتاج سيهوي بتكاليف التصنيع بشكل دراماتيكي، ويجعل الطاقة الشمسية في متناول الجميع بأسعار زهيدة جدا.
من الناحية التطبيقية، تفتح هذه المرونة آفاقا كانت تعتبر خيالا علميا. بفضل إمكانية تعديل التركيب الكيميائي للبيروفسكايت، يستطيع المهندسون التحكم في "فجوة النطاق" (Bandgap)، أي تحديد أي جزء من طيف الضوء تقوم الخلية بامتصاصه وأي لون تسمح بمروره. هذا يسمح بتصنيع خلايا شمسية نصف شفافة وملونة يمكن دمجها كنوافذ في ناطحات السحاب لتوليد الكهرباء مع السماح بمرور الضوء، أو دمجها في أسطح السيارات الكهربائية المنحنية لزيادة مداها، أو حتى دمجها في الالكترونيات القابلة للارتداء. لكن التطبيق الأكثر إثارة حاليا هو "الخلايا المترادفة" (Tandem Cells)، حيث يتم طلاء طبقة من البيروفسكايت فوق خلية سيليكون تقليدية. في هذا التصميم، يقوم البيروفسكايت بامتصاص الطيف الأزرق والأخضر من ضوء الشمس، بينما يمرر الضوء الأحمر والأشعة تحت الحمراء للسيليكون بالأسفل. هذا التعاون بين المادتين يكسر حاجز الكفاءة النظري (حد شوكلي-كوايسر) للسيليكون منفردا، مما يعني توليد طاقة أكبر بكثير من مساحة السطح نفسها، وهو أمر حيوي للمدن المكتظة والمساحات المحدودة.
رغم كل هذا التفاؤل، يجب أن نكون واقعيين كمهندسين؛ فالمادة لا تزال تواجه تحدي "الاستقرار". البيروفسكايت حساس جدا للرطوبة والأكسجين والحرارة، ويميل للتحلل بسرعة مقارنة بالسيليكون الذي يصمد لـ25 عاما. المعركة العلمية الآن تدور في المختبرات حول تطوير تقنيات تغليف (Encapsulation) متطورة جدا، وتعديل التركيبة الكيميائية لمنع التحلل. المؤشرات إيجابية للغاية، ومع دخول الشركات الكبرى في السباق، نحن على أعتاب عصر جديد تكون فيه الطاقة الشمسية ليست مجرد ألواح سوداء فوق الأسطح، بل جزء لا يتجزأ من كل مادة نستخدمها في حياتنا اليومية.

















0 تعليق