مذبحة غزة معمل اختبار لمستقبل مخيف..

مكه 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
مذبحة غزة معمل اختبار لمستقبل مخيف.., اليوم الخميس 15 يناير 2026 05:17 صباحاً


أدلى الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور Dwight D. Eisenhower بتصريح شهير عندما انتهت فترة رئاسته عام 1961، حذر فيه من خطورة صعود ما أسماه بـ»المجمع العسكري الصناعي» military-industrial complex، وحذر تحديدا من خطورة أن يكون للمجمع العسكري الصناعي «نفوذ غير مبرر» يمكنه من ترويج سياسات تتعارض مع الأمن القومي الأمريكي.

ولم يأت هذا التحذير من فراغ: فالرئيس أيزنهاور هو السياسي الخبير بدهاليز السلطة، وهو الجنرال الأمريكي الذي كان قائدا أعلى لقوات الحلفاء في أوروبا أثناء الحرب العالمية الثانية، وقد شهد أهوال الحرب وأدرك مدى خطورة الأسلحة المتطورة، خاصة وقد انتهت الحرب بإلقاء القنبلة الذرية على اليابان.

فكان أخشى ما يخشاه الرئيس أيزنهاور أن تتحول الحرب من وسيلة دفاع عن الوطن إلى صفقة تجارية... وعندها لا مفر من أن يصبح قرار الحرب مرتبطا بحسابات الربح والخسارة، وبمدى صعود أو انخفاض قيمة أسهم شركات صناعة السلاح، بل وقد تتحول طبيعة الحرب ذاتها: من دفاع نبيل عن الوطن إلى جرائم قتل جماعي مدفوعة الثمن.

لكن يبدو أن أحدا لم ينصت إلى كلام الرئيس أيزنهاور، فاستطاع المجمع العسكري الصناعي الأمريكي أن يطور أساليبه ويوسع علاقاته المالية من خلال عقود تجارية مع الشركات الكبرى: سواء كانت عقود التوريد، أو العقود الأمنية، أو عقود الأبحاث، أو التطوير المشترك، أو التقنيات التي انتقلت من القطاع العسكري إلى القطاع التجاري، أو غير ذلك.

كما عمل المجمع العسكري الصناعي على التأثير على الرأي العام من خلال المؤسسات الإعلامية ووسائل الترفيه: ابتداء بصناعة السينما، حتى صناعة ألعاب الفيديو التي تمجد القتل تحت شعار الوطنية، إلخ.

وكذلك توسعت علاقات المجمع العسكري الصناعي مع مراكز الدراسات think tanks التي تقدم دراساتها إلى الجهات الرسمية، وذلك بهدف التحكم في الفكرة التي تصل إلى المستوى الشعبي والرسمي معا، والسيطرة على الحوار الدائر أو السردية controlling the narrative، وصرفها بعيدا عن الدور الذي يقوم به المجمع العسكري الصناعي.

وقد وظف المجمع العسكري الصناعي العديد من جماعات الضغط في واشنطن، وقدم ملايين الدولارات من التبرعات لحملات المشرعين الانتخابية، حتى أصبح قوة فاعلة على المستوى السياسي، ما ضمن له تشريع السياسات الحكومية التي تتفق مع مصالحه، واستمرار تدفق الميزانيات العسكرية الضخمة: حتى إن خمس شركات فقط استلمت من الحكومة الأمريكية 771 بليون دولار من أموال دافعي الضرائب ما بين عامي 2020 - 2024، وهذه الشركات هي: Lockheed Martin, RTX, Boeing, General Dynamics, Northrop Grumman، فأصبحت السياسة العسكرية الأمريكية تجارة مربحة: وقد رأينا مدى نفوذ هذه الشركات في سباق التسلح والتدخلات العسكرية ونشر الحروب والدمار.

وليست حرب غزة - وبالأصح مذبحة غزة - بعيدة عن حسابات ربح المجمع العسكري الصناعي الإسرائيلي: فقد ارتفعت بورصة تل أبيب أثناء المذبحة، وكان من أسباب ذلك ارتفاع قيمة أسهم شركات الصناعات الحربية الإسرائيلية، التي ارتفع قيمة السهم في إحداها 2000%.

لكن السعي وراء الأرباح الناتجة عن قتل الأبرياء لا يتوقف على الشركات الإسرائيلية: فقد قفز عدد من الشركات والمؤسسات الغربية للمشاركة في هذه المذبحة التي وجدوا فيها فرصة لاستعراض قدراتهم وزيادة أرباحهم على حساب دماء النساء والأطفال. ولم يعد ذلك سرا، بل قام الإعلام الدولي بتغطيته، وعلى سبيل المثال نشرت صحيفة الجارديان The Guardian مقالا بعنوان «قالت مقررة الأمم المتحدة إن الشركات العالمية «تستفيد من الإبادة الجماعية في غزة»

« Global firms ‘profiting from genocide’ in Gaza, says UN rapporteur». فقد قامت فرانشيسكا ألبانيزي Francesca Albanese بإعداد تقرير هام عن ما يجري في غزة، وذلك بصفتها «المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة» United Nations Special Rapporteur on the Occupied Palestinian Territories، وتم تقديم ذلك التقرير إلى مجلس حقوق الإنسان Human Rights Council التابع للأمم المتحدة، وهو تقرير مؤلم وغير عادي بعنوان: من اقتصاد الاحتلال إلى اقتصاد الإبادة الجماعية “From economy of occupation to economy of genocide”.

ويشير التقرير إلى بعض الشركات التي قامت بالدور الأكبر في المذبحة، ومنها شركات الصناعات العسكرية، مثل شركة لوكهيد مارتن Lockheed Martin التي تصنع طائرات F35، وشركات المعدات الثقيلة التي دمرت البنية العمرانية والبنية التحتية، مثل شركة كاتربيلار caterpillar، وشركة فولفو Volvo، وشركات إدارة الأصول asset management firms، مثل شركة فانجارد Vanguard، وشركة بيمكو Pimco، وكبرى البنوك التي قامت بشراء سندات الخزانة الإسرائيلية treasury bonds، مثل بنك جولدمان ساكس Goldman Sachs، وبنك باركليز Barclays، وبنك BNP Paribas، وغيرها من كبرى البنوك العالمية، ما ساعد إسرائيل على تمويل المذبحة، بل وتخفيض سعر الفائدة البنكية بالرغم من تراجع تصنيف إسرائيل الائتماني أكثر من مرة منذ الهجوم على غزة.

وهنا يجب التأكيد على أن مذبحة غزة ما كان لها أن تستمر من دون دعم هذه الشركات والمؤسسات غير الإسرائيلية: سواء كانت شركات الأسلحة أو شركات المعدات الثقيلة أو البنوك وشركات إدارة الأصول التي اشترت سندات الخزانة الإسرائيلية: فمن دون ذلك الدعم لكانت ذخائر إسرائيل قد نفذت بعد مدة وجيزة، وما كانت إسرائيل تمتلك أصلا القنابل الثقيلة ولا الذخائر عالية الكثافة ولا قطع الغيار ولا القدرة على عمل الصيانة اللازمة لأسلحتها، وهو ما كان لا بد أن يؤدي إلى توقف القصف وتعطل سلاح الجو الإسرائيلي، وبالتالي توقف المذبحة، ومن دون المعدات الثقيلة لما تمكنت إسرائيل من هذا الهدم الواسع للأحياء والبنية التحتية في غزة ولما أمكنها إعادة تشكيل خارطة غزة ومنع عودة الفلسطينيين إلى مناطقهم، ومن دون وجود من يشتري سندات الخزينة الإسرائيلية لما توفرت لإسرائيل السيولة النقدية التي مكنتها من الاستمرار في المذبحة ولما أمكن حماية إسرائيل من الدخول في أزمة اقتصادية حادة وانهيار الثقة في الاقتصاد الإسرائيلي.

كما تجب الإشارة إلى التقنيات المتطورة التي تلقتها إسرائيل حتى تتم تجربتها على نساء غزة وأطفالها، وتسببت في هذه المذبحة البشعة، وبالأخص تجب الإشارة إلى الدور الذي قامت به شركة بالانتير Palantir، وهي شركة متخصصة في ما يسمى بـ«قدرات الاستهداف المتقدمة» advanced targeting capabilities، حيث تميزت شركة بالانتير في تصميم ما يسمى بـ«منصات مراقبة الذكاء الاصطناعي المسلحة» Weaponized AI surveillance platforms، وهي أنظمة تعمل على تعقب الناس وقتلهم على نطاق واسع في سياق الحروب بمساعدة الذكاء الاصطناعي، حيث تستطيع هذه التقنيات أن تجمع كميات هائلة من المعلومات العامة والخاصة من مصادر مختلفة، وتتولى تحليلها بحثا عن الأنماط، ثم تستخدم النتائج في مشاريع المراقبة الجماعية أو الحروب داخل المدن، وهو ما يعرف تقنيا بـ«سلاسل القتل بالذكاء الاصطناعي» AI kill chains، عن طريق ما يسمى بـ«أنظمة استخبارات ومراقبة وتحديد الهدف والاستطلاع»

Istar systems.. فتم استخدام الذكاء الاصطناعي في تطوير أنظمة قتلت عشرات الآلاف من الأبرياء، وقد يصل العدد الحقيقي لمن تم قتلهم إلى 680 ألف قتيل، كما أشارت فرانشيسكا ألبانيزي: «المقررة الخاصة للأمم المتحدة».

وهذه الأنظمة مصممة حتى تقتل الأبرياء بشكل متعمد: وعلى سبيل المثال برنامج «أين أبي» Where’s Daddy، تستخدمه إسرائيل لتتبع الأشخاص حتى يكونوا مع عائلاتهم ثم يتم استهداف العائلة بأكملها، وهناك عائلات بأكملها قد أبيدت وتم حذفها من السجل المدني، وقد قتلت إسرائيل أطفالا بينما هم يتزاحمون على مساعدات شحيحة، وقتلت المدنيين الأبرياء من كبار السن والنساء والأطفال في غزة دون تمييز، حتى إن ما يقارب 90% ممن قتلتهم إسرائيل في غزة كانوا مدنيين غير مقاتلين non-combatant civilians.
كما قتلت إسرائيل من العاملين في مجال الإغاثة في غضون أشهر قليلة أكثر من جميع العاملين في الإغاثة الذين قتلوا في جميع الحروب في بقية أنحاء العالم على مدى الثلاثين عاما الماضية.

ولا ننسى أن إسرائيل قتلت 220 صحفيا أثناء حرب الإبادة في غزة، وهو رقم تجب مقارنته بعدد الصحفيين الذين قتلوا أثناء الحرب العالمية الثانية، الذين بلغ عددهم 69 صحفيا فقط قتلوا في حرب عالمية دامت 6 سنوات.

وقامت شركات التكنولوجيا الكبرى بالمساهمة في مذبحة غزة بدعمها لهذه الأنظمة بمختلف الوسائل: ومنها شركة قوقل، وشركة مايكروسوفت، وشركة ميتا (التي تملك فيسبوك، وواتساب، وانستاجرام Instagram)، وحتى شركة أمازون التي هي في الأساس شركة متاجر تجزئة قائمة على الإنترنت، ارتبطت هي الأخرى بعقود ضخمة مع الحكومة الإسرائيلية تقوم بموجبها شركة أمازون بتخزين ومعالجة كمية هائلة من المعلومات عن الفلسطينيين، وتسخرها في خدمة العمليات العسكرية والاستخباراتية الإسرائيلية.

هذه التقنيات اللاإنسانية التي يتم تجربتها على أطفال ونساء غزة، هي تقنيات مربحة تعرضها شركات اليوم في خدمة حروب المستقبل، لكن الطموح الإسرائيلي أبعد من ذلك: فقد تكشف أن (الراحل) جيفري ابستين هو وشريكته جيلاين ماكسويل اللذين اشتهرا بفضائح استخدام القاصرات لابتزاز السياسيين والمشاهير، عملا منذ سنوات على إقامة شراكة استراتيجية ما بين المخابرات الإسرائيلية (الموساد) وشركات التكنولوجيا الأمريكية الكبرى، خاصة تلك الشركات في منطقة وادي السيليكون بغرض عمل شبكة معلوماتية ما بين الموساد وهذه الشركات التي تمتلك قاعدة بيانات ضخمة كما تمتلك القدرة على معالجة كمية هائلة من المعلومات. والتعاون ما بين الموساد وهذه الشركات يؤدي إلى تشكيل نظام استخباراتي عالمي، كما أشار دوغلاس يوفان الذي عمل أستاذا مساعدا بجامعة MIT المرموقة، في بحث له بعنوان «السيطرة على الأمن السيبراني: قوقل، والوحدة 8200، وشبكة المراقبة العالمية» The Cybersecurity Takeover: Google, Unit 8200, and the Global Surveillance Grid.

وتمثل صفقة شراء شركة WIZ الإسرائيلية أكبر عملية انتقال لعملاء المخابرات الإسرائيلية إلى شركات التكنولوجيا الغربية الكبرى، كما جاء في مقال بعنوان «صفقة قوقل WIZ بقيمة 32 مليار دولار: أكبر اختراق استخباراتي إسرائيلي لشركات التكنولوجيا الكبرى»
Google’s 32B WIZ Deal: The Largest Israeli Intelligence Infiltration into Big Tech.

وهذا «الاختراق الاستخباراتي» الإسرائيلي في غاية الخطورة، لأنه يمكن إسرائيل من التجسس على نطاق عالمي: سواء على مستوى الأفراد أو على مستوى الحكومات أو على مستوى الشركات والمؤسسات الخاصة: وذلك عن طريق مراقبة وسائل التواصل الاجتماعي التي يستخدمها أكثر من 5 بلايين شخص حول العالم، ما يعطي إسرائيل القدرة على تتبع واستهداف وابتزاز السياسيين والشخصيات المؤثرة حول العالم، أو عن طريق اختراق البرامج: كبرامج معالجة البيانات، مثل برنامج أوراكل الذي يعالج بيانات مالية وتشغيلية وإدارية وتستخدمه 430 ألف جهة حول العالم، ومنها جهات حكومية وشركات كبرى ومؤسسات هامة (علما بأن أكبر المساهمين في شركة أوراكل: لاري إليسون، هو أكبر متبرع فردي للجيش الإسرائيلي)، أو عن طريق برامج التجسس الإسرائيلية على الهواتف ووسائل الاتصال، مثل برنامج Pegasus الشهير، أو عن طريق العلاقات ما بين المخابرات الإسرائيلية ومختلف أجهزة المخابرات حول العالم، خاصة أجهزة المخابرات الغربية، أو عن طريق عملاء إسرائيل المنتشرين في شركات التقنية، حيث يعتقد أن هناك ما يقارب 1400 شخص ممن عملوا سابقا في نخبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية المعروفة بالوحدة 8200، يعملون حاليا في شركات التكنولوجيا الكبرى، مثل شركة آبل، وشركة بالانتير، وشركة أمازون، وغيرها.

فما تفعله إسرائيل هو استغلال نفوذها السياسي واختراقها لمؤسسات الغرب وشركاته الكبرى لبناء أنظمة دولية متطورة وخاصة بها: وهي أنظمة عالية الذكاء تمكن إسرائيل من مضاعفة قدراتها الاستخباراتية والعسكرية، وتطوير قدراتها الاقتصادية والسياسية، بينما تعمل إسرائيل كل جهدها على تفتيت المنطقة وتدمير أي قوة ذات شأن من حولها، والهدف هو انفرادها بالهيمنة على أهم منطقة في العالم، واستبعاد أي منافس محتمل، بما يشمل استبعاد القوى الغربية الداعمة لإسرائيل حاليا.

ما يؤدي إلى تغير هائل في المعادلات الاستراتيجية الإقليمية والدولية.. وهو تطور في غاية الخطورة: على العرب وأبناء المنطقة خصوصا.. والعالم عموما، علما بأن كل ما نعرفه حتى الآن ما هو سوى قمة ظاهرة لجبل جليد يختفي أغلبه عن الأنظار، وما يتوقع تطويره في المستقبل هو تقنيات أخطر بمراحل.. وما أطفال غزة ونساؤها سوى «فئران تجارب» في نظر من يطورون هذه التقنيات! حسبنا الله.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق