عين وبث والمحصلة عبث

مكه 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
عين وبث والمحصلة عبث, اليوم الأربعاء 22 أبريل 2026 01:16 صباحاً

البثوث المباشرة ليست شرا خالصا ولا خيرا مطلقا؛ هي أداة، يحسن مآلها بما تحمل عليه من مضمون. فيها الديني الذي يرقي القلب، والتثقيفي الذي يوسع المدارك، والرياضي الذي يبعث الحماس، والترفيهي الذي يخفف وطأة الأيام ويسر بما لا يضر. هذه مساحات نظيفة، تشبه أصحابها، وتربي ذائقة متابعيها على قدر من الوعي والانتقاء. غير أن هذه الصورة المضيئة ليست سوى نصف الحكاية.

النصف الآخر يتشكل حين تتحول الشاشة إلى سوق مفتوح للانتباه، تعرض فيه القيم كسلع قابلة للمساومة. هناك، تنتهك الخصوصية باسم العفوية، ويجتث الحياء بدعوى الجرأة، وتختزل الكرامة في لحظات تقتطع لتعاد على هيئة "ترند". استهبال رجالي يسوق كخفة ظل، واستعراض نسائي يغلف بمفردات الحرية، وبينهما ألعاب وتحديات وأحكام تنفذ على الهواء، لا لشيء إلا لتحريك عداد التفاعل. كل شيء قابل للتضحية ما دام العداد في ازدياد.

وفي عمق هذا المشهد، يتكشف تسول رقمي بملامح عصرية. ألفاظ بذيئة، إيحاءات فجة، تحرش لفظي يقدم كدعابة، ومحتوى يعاد تدويره حتى يفقد أي معنى سوى قدرته على جلب الدعم. الأسوأ أن هذه المساحات مفتوحة بلا ضوابط حقيقية؛ يدخلها الصغير قبل الكبير، فتتآكل الحساسية الأخلاقية بالتدرج. ما كان يستنكر بالأمس يصبح مألوفا اليوم، وما كان مألوفا يزاح لصالح ما هو أكثر فجاجة وإثارة.

وفي غمرة هذا الصخب، تشاهد أمورا عجيبة لا تخطر على قلب عاقل. ففي تناقض صارخ ومؤلم، تجد أحدهم يخصص محتواه لقراءة القرآن الكريم بترتيل جميل، ولكنه خلال تلك التلاوة العطرة لا يتوقف عن رفع يديه وتوزيع التحايا للداعمين! يفعل ذلك دون أدنى توقير أو أدب مع جلال كلام الله عز وجل، وكأن الآيات الكريمة مجرد "خلفية موسيقية" لجذب الهدايا والعملات الرقمية، مما يعكس حالة من التيه القيمي والجهل بقدسية الشعائر.

المال هنا ليس مجرد عنصر حاضر، بل هو العنوان الأبرز. أرقام تتداول عن أرباح طائلة في دقائق معدودة، فتغري من لا عدة له إلا الإثارة، فيختصر الطريق على حساب القيمة. ولا يعاب طلب الرزق، بل يمدح، لكن يسأل عن طريقه ومآله. كيف كسب؟ وبأي ثمن من القيم؟ وكيف أنفق؟ تلك أسئلة لا يعفى منها أحد. وما نراه من إسراف في دعم التفاهة ليس ذوقا عابرا، بل تصويت عملي يعيد ترتيب الأولويات: نرفع ما نكافئه، ونشيع ما نرفعه.

المسؤولية هنا مشتركة، لا تختص بصانع المحتوى وحده. المنصات تصمم آليات تكافئ البقاء الأطول والتفاعل الأعلى، فتدفع بطبيعتها نحو المحتوى الأكثر إثارة. وصناع المحتوى يختارون - بملء إرادتهم - كيف يملؤون هذا القالب: قيمة أو عبثا. أما الجمهور، وهو الحلقة الأوسع، فله الكلمة الفصل وإن لم يشعر: بنقرة متابعة، أو هدية، أو حتى بقاء صامت، يشارك في صناعة المشهد. المقاطعة الواعية، والدعم الذكي، والتبليغ عن الانتهاكات، كلها أدوات متاحة، لكنها تحتاج إلى إرادة تتجاوز لحظة التسلية.

الحل ليس في جلد الأداة، بل في تهذيب الاستخدام وبناء البديل. نحتاج بثوثا تحترم عقل المتلقي، وتمنح المتعة دون أن تهدر الكرامة، وتقدم المعرفة دون تعال. نحتاج تربية إعلامية تعلم أبناءنا كيف يشاهدون، لا ماذا يشاهدون فقط، وتعيد تعريف النجاح بعيدا عن عداد الهدايا. حينها تستعيد البثوث حيادها النبيل: وسيلة في يد الإنسان، لا سوقا تدار به، ولا مرآة تعكس أسوأ ما فيه.

ولعل الخلاصة ليست في محاكمة البثوث، بل في محاسبة ما نمرره عبرها من قيم. فالشاشة لا تخلق الذوق بقدر ما تكشفه، ولا تصنع الاتجاه بقدر ما تضخمه. نحن - صناع ومتابعون - نخط كل يوم ميثاق هذه المساحات دون أن نشعر: بنقرة نمنحها، أو دقيقة نطيلها، أو هدية نهديها. فإن شئنا لها أن ترتقي، ارتقينا بها، وإن رضينا لها الهبوط، هبطت بنا. فليكن لنا وعي يسبق الانبهار، وميزان يسبق التفاعل؛ نمنح حضورنا لما يستحق، ونحجبه عن التفاهة والابتذال والعبث.

أخبار ذات صلة

0 تعليق