من تاريخ الجهل

بوابة فيتو 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
من تاريخ الجهل, اليوم الخميس 18 يونيو 2026 12:54 مساءً

في العصور الوسطى هيمنت الكنيسة على عقول كثير من البشر عبر منظومة فكرية يقينية مغلقة. فقد ساد الاعتقاد بأن الإنسان مذنب بطبيعته، وأن وجوده على الأرض نوع من العقاب، الأمر الذي سهّل استغلاله باسم الدين والخلاص. 

 

ومن أبرز الأمثلة على ذلك بيع صكوك الغفران، وهي وثائق كانت تُباع بمقابل مادي بدعوى المساعدة في نيل المغفرة والفوز بالجنة. وهكذا أُضعفت قدرة الإنسان على التفكير الحر، وانتشرت الخرافات والمخاوف التي أبعدت كثيرين عن البحث العلمي والتفكير النقدي. وقد وصف الفيلسوف الإنجليزي هوبز حياة تلك الحقبة بأنها: منعزلة، وفقيرة، وقذرة، ووحشية، وقصيرة.


ومن أشهر الشواهد على اضطهاد الفكر قصة الفيلسوف والراهب جوردانو برونو، فقد حاول أن ينظر إلى الكون بعين الباحث، فتبنى أفكارًا فلكية تخالف ما كان سائدًا آنذاك، وأيّد بعض ما طرحه نيكولاس كوبرنيكوس عالم الفلك والرياضيات البولندي بشأن مركزية الشمس. 

أثارت آراؤه غضب السلطات الكنسية، فاتهم بالهرطقة، وقُدم للمحاكمة، ثم صدر الحكم بإعدامه حرقًا عام 1600. لقد كانت تلك الحادثة رمزًا للصراع بين سلطة الفكر السلفي المغلق والسعي إلى المعرفة الحرة.


والحقيقة أن المؤسسات التي تحتكر الحقيقة المطلقة كثيرًا ما تخشى انتشار المعرفة؛ لأن المعرفة تمنح الإنسان القدرة على نفي الجهل والسؤال والمراجعة والنقد. ومع الأسف، ما زالت بعض المجتمعات تنظر بعين الريبة إلى التفكير الحر المتسائل، وتحافظ على جهل أبنائها، وإبعادهم عن التفكير، وكأنها لم تستفد من دروس التاريخ التي أثبتت أن التقدم لا يتحقق إلا بالعلم والعقل والحرية الفكرية.


لكن ألسنا جميعًا نفكر؟ في الواقع، نحن نفكر طوال الوقت. فنحن نفكر عندما نسير، وحين نتحدث، ونتخذ قراراتنا اليومية، وحتى عندما نعبر الطريق نفكر، غير أن هذا النوع من التفكير هو تفكير تلقائي أو استجابي، يساعدنا على التعامل مع المواقف اليومية. 

أما التفكير الذي نعنيه هنا فهو التفكير الواعي المقصود؛ التفكير الذي يبحث عن الأسباب الحقيقية للأشياء، ويفحص الأدلة، ويطرح الأسئلة، ويختبر الفرضيات قبل قبولها.


أليس التفكير النقدي العلمي الباحث عن العلة هو الذي صنع الحضارة الإنسانية، ذلك التفكير الذي لا يكتفي بالموروث أو بالإجابات الجاهزة المعلبة، بل يسعى إلى الفهم والتحقق. ونرى ثماره اليوم في مراكز الأبحاث والمعامل العلمية التي تطور الطب والتكنولوجيا، وتعمل على تحسين حياة البشر ورفاهيتهم ودفعهم خطوة جديدة إلى الأمام.


ومع ذلك، ما زالت أنماط من التفكير اليقيني المغلق حاضرة في العديد من جوانب حياتنا، حيث تُقدَّم إجابات جاهزة لا تقبل النقاش أو المراجعة. كما أن بعض أساليب التعليم لا تزال تعتمد على الحفظ والاستظهار أكثر من اعتمادها على الفهم والتحليل والنقد. فيحصل الطالب على أعلى الدرجات لأنه حفظ المعلومات، لا لأنه ناقشها أو اختبرها أو أبدع فيها.

ولعل أحد أهم دروس التاريخ أن المجتمعات لا تتقدم بتكرار ما تعرفه، بل بطرح الأسئلة واكتشاف ما تجهله. فالعلم يبدأ بالسؤال، والتفكير يبدأ بالشك المنهجي، والتقدم يبدأ عندما يمتلك الإنسان الشجاعة ليبحث عن الحقيقة بنفسه وينظر بعين الازدراء لجهله القديم.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق