حين يختطف البعض التاريخ.. دفاعًا عن الحقيقة لا عن الأشخاص!

بوابة فيتو 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
حين يختطف البعض التاريخ.. دفاعًا عن الحقيقة لا عن الأشخاص!, اليوم الاثنين 29 يونيو 2026 01:59 مساءً

للتاريخ حرمة، وللوقائع قداسة، ومن أخطر ما يُبتلى به المجال العام أن يخرج من يروي الأحداث بانتقائية، فيقتطع منها ما يوافق هواه، وينسب إلى نفسه أو إلى دوائر بعينها ما هو في الحقيقة جهد جماعي شارك فيه المئات، بل الآلاف.


وقد استوقفتني شهادة الدكتور عبد المنعم سعيد عن معركة إسقاط القانون رقم 93 لسنة 1995، ذلك القانون المشبوه الذي مثّل في حينه عدوانًا صريحًا على حرية الصحافة وحق المجتمع في المعرفة.

وهي شهادة، مع كامل الاحترام لصاحبها، افتأت على الحقيقة التاريخية حين اختزلت تلك الملحمة المهنية والوطنية في خلية أزمة مزعومة، ونسبت إليها الفضل في رسم استراتيجية المواجهة وحسم المعركة، متجاهلة الدور المحوري لمجلس نقابة الصحفيين والجمعية العمومية والجماعة الصحفية بأسرها.


لقد كنت آنذاك سكرتيرًا عامًا لنقابة الصحفيين، وشاهدًا على تفاصيل المعركة يومًا بيوم وساعة بساعة. وأشهد لله وللتاريخ أن معركة إسقاط القانون 93 لم تكن معركة أفراد، ولا بطولة أشخاص، ولم تكن نتاج اجتماعات مغلقة أو لجان سرية، بل كانت ملحمة جماعية خاضتها الجماعة الصحفية المصرية بكل أطيافها، تحت راية نقابة الصحفيين، وبتلاحم نادر بين مجلس النقابة وجمعيتها العمومية.


كان مجلس النقابة هو الذي حمل المسؤولية كاملة، ونظم الجمعيات العمومية التاريخية، وأدار الحوار، وقاد الاعتصامات واللقاءات والمناقشات، وحافظ في الوقت نفسه على وحدة الجماعة الصحفية وصلابة موقفها. وكانت الجمعية العمومية هي الظهير الحقيقي لهذه المعركة، إذ أثبت الصحفيون أنهم حين يتوحدون حول قضية عادلة يصبحون قوة وطنية لا يمكن تجاوزها أو الالتفاف عليها.


ولا يجوز أيضًا إنكار الدور الكبير الذي قام به الأستاذ إبراهيم نافع، رحمه الله. فقد كان نقيبًا تحمل مسؤوليته التاريخية كاملة، وقطع رحلة علاجه في الخارج وعاد للمشاركة في اجتماعات الجمعية العمومية وإدارة الأزمة. لكن الإنصاف يقتضي أيضًا ألا يتحول تقدير دوره إلى وسيلة لمحو أدوار الآخرين أو اختزال معركة بأكملها في شخص واحد، مهما كانت مكانته وقيمته.


كما لا يجوز القفز فوق أدوار رجال آخرين أسهموا في صناعة هذا الانتصار؛ فالأستاذ جلال عيسى عبّر في كلمته بعيد الإعلاميين عن موقف الجماعة الصحفية الرافض للقانون بكل وضوح، والزميل الراحل مجدي مهنا كان أول من نبه مجلس النقابة إلى القانون الذي كان يُعد في الخفاء وحذر من مخاطره، وغيرهما كثيرون ممن أدوا أدوارًا لا ينكرها إلا جاحد.


والأغرب في شهادة الدكتور عبد المنعم سعيد أنها ذهبت إلى القول إن الرئيس الراحل محمد حسني مبارك «لم يكن في أكثر أوقاته حكمة» خلال الأزمة. والوقائع الثابتة تقول غير ذلك. فقد استمع الرئيس إلى مجلس النقابة، وفهم حقيقة القانون وآثاره السلبية على حرية الصحافة، وقال بوضوح: «لم أكن أدري أن القانون بكل هذا السوء».. 

ثم انحاز إلى حق الصحفيين ورفض المساس بحرية الكلمة، وانتهى الأمر إلى تشكيل لجنة لإعداد قانون جديد للصحافة، صدر بموجبه القانون رقم 96 لسنة 1996، لتُزال العقوبات السالبة للحرية التي كانت جوهر الأزمة.


إن التاريخ لا يُكتب بالرغبات، ولا بالأدوار المتخيلة، ولا بالنرجسية التي تدفع البعض إلى حب أن يُحمدوا بما لم يفعلوا. وفي هذا المعنى يجيء التحذير الإلهي البليغ: ﴿ويحبون أن يُحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب﴾.


إن الوفاء للحقيقة يقتضي أن نقول بوضوح: انتصار الصحفيين في معركة القانون 93 كان انتصارًا للجماعة الصحفية كلها؛ لمجلس النقابة، ولجمعيتها العمومية، ولكل صحفي آمن بأن حرية الكلمة ليست امتيازًا لفئة، بل حق للمجتمع بأسره.


أما اختزال تلك الملحمة في لجنة مزعومة، أو في أدوار فردية، أو القفز فوق جهود أصحاب الفضل الحقيقيين، فليس مجرد خطأ في السرد، بل اعتداء على ذاكرة المهنة، وتسفيه لجهود من صنعوا واحدة من أنصع الصفحات في تاريخ الصحافة المصرية.

ويبقى التاريخ عصيًا على التزييف؛ لأن الشهود الحقيقيين ما زالوا أحياء في الذاكرة، ولأن الوقائع لا تموت، ولأن الأوطان والمهن الكبرى لا تبنى بالادعاء، وإنما بالصدق والإنصاف ورد الفضل إلى أهله.
بصراحة يا دكتور عبد المنعم.. لم أشاهدك حاضرًا أي جمعية عمومية لإسقاط القانون المشبوه. فكيف تأتي الآن لتتكلم وتتكلم فقط؟!

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق