اختبارات قياس بين قياس القدرات وصناعة العوائق

مكه 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
اختبارات قياس بين قياس القدرات وصناعة العوائق, اليوم السبت 4 يوليو 2026 11:24 صباحاً

تُعد اختبارات قياس من أكثر الاختبارات تأثيرًا في مستقبل الطلاب والطالبات في المملكة العربية السعودية، إذ أصبحت بوابة رئيسية للقبول في العديد من الجامعات والتخصصات.

ورغم أن الهدف المعلن منها هو تحقيق العدالة في المفاضلة وقياس القدرات والاستعداد الأكاديمي، إلا أن التجربة الواقعية لكثير من الطلبة تكشف عن تحديات كبيرة تستحق الوقوف عندها ومراجعتها بموضوعية.

أولى هذه التحديات تتمثل في تحويل اختبار واحد إلى عامل حاسم قد يرسم مستقبل الطالب أو يغيّره بالكامل، بغض النظر عن سنوات طويلة من الاجتهاد والتفوق الدراسي. فمن غير المنطقي أن يكون أداء طالب خلال ساعات معدودة قادرًا على طمس نتائج اثني عشر عامًا من الدراسة والالتزام، خاصة إذا تعرض لظرف صحي أو نفسي أو عائلي في يوم الاختبار.

كما أن الضغط النفسي المصاحب لهذه الاختبارات أصبح ظاهرة لا يمكن تجاهلها. فالعديد من الطلاب والطالبات يدخلون قاعات الاختبار وهم يحملون خوفًا من الفشل، وقلقًا من نظرة الأسرة والمجتمع، وهاجس ضياع حلم التخصص الذي يطمحون إليه.

وقد يؤدي هذا الضغط إلى انخفاض الأداء، ليس بسبب ضعف القدرات، وإنما بسبب التوتر والرهبة، مما يجعل النتيجة أحيانًا لا تعكس المستوى الحقيقي للطالب.

ومن الإشكالات التي يشتكي منها كثير من الطلبة تفاوت مستويات النماذج، والشعور بعدم تكافؤ الفرص، إضافة إلى الاعتماد الكبير على الدورات التدريبية المكلفة، التي أصبحت في نظر البعض شرطًا غير معلن لتحقيق الدرجات المرتفعة.

وهذا يخلق فجوة بين من يستطيع تحمل تكاليف تلك الدورات ومن لا يملك الإمكانات المالية، وهو ما يتعارض مع مبدأ تكافؤ الفرص الذي يفترض أن تقوم عليه الاختبارات.

ولم تقتصر الآثار على الجانب الأكاديمي، بل امتدت إلى الجانب النفسي والاجتماعي؛ إذ فقد بعض الطلاب ثقتهم بأنفسهم بعد محاولات متكررة لم تحقق النتائج التي يطمحون إليها، بينما اضطر آخرون إلى التخلي عن أحلامهم في دراسة الطب أو الهندسة أو غيرها من التخصصات بسبب درجة واحدة أو بضع درجات فقط، رغم امتلاكهم الشغف والكفاءة والإصرار.

إن النقد هنا لا يعني رفض فكرة الاختبارات المعيارية من حيث المبدأ، فوجود أدوات تقيس الاستعداد الأكاديمي أمر معمول به في كثير من دول العالم، لكنه يجب ألا يكون الأداة الوحيدة أو الأكثر تأثيرًا في تقرير مصير الطالب. فالقدرات الإنسانية أوسع من أن تختزل في اختبار واحد، والنجاح الأكاديمي يعتمد على عوامل متعددة، منها الانضباط، والاجتهاد، والقدرة على التعلم المستمر، والإبداع، والعمل الجماعي، وهي جوانب قد لا تقيسها هذه الاختبارات بالشكل الكافي.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى تطوير منظومة القبول الجامعي بحيث تعتمد على تقييم أكثر شمولية، يجمع بين المعدل الدراسي، والاختبارات المعيارية، والمهارات الشخصية، والإنجازات العلمية، والمقابلات الشخصية في التخصصات التي تتطلب ذلك. كما أن توفير الدعم النفسي والإرشادي للطلاب، ومراجعة آليات إعداد الاختبارات وتقييمها بصورة مستمرة، سيعزز الثقة في النظام ويقلل من الآثار السلبية التي يعاني منها كثير من الطلبة.

إن مستقبل الشباب هو الثروة الحقيقية لأي وطن، ومن الواجب أن تكون أنظمة التقييم وسيلة لاكتشاف الطاقات وتنميتها، لا سببًا في إحباطها أو إقصائها. فكل نظام قابل للتطوير، وكل تجربة تستحق المراجعة متى ما ظهرت آثارها على شريحة واسعة من أبناء الوطن. والغاية النهائية ينبغي أن تكون تحقيق العدالة، وإتاحة الفرصة لكل طالب وطالبة لإثبات قدراتهما الحقيقية، دون أن يصبح اختبار واحد حاجزًا يقف بينهما وبين أحلامهما.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق