هالة بلا جوهر.. لماذا يهرب البعض إلى الضوء حين تنطفئ الذات؟

مكه 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
هالة بلا جوهر.. لماذا يهرب البعض إلى الضوء حين تنطفئ الذات؟, اليوم الخميس 15 يناير 2026 05:17 صباحاً


في مقالات سابقة، تأملنا الدوافع الخفية خلف السلوك، واليوم نقترب من وجه آخر للصورة نفسها. فقبل سنوات، تصدرت شابة تدعى إليزابيث هولمز عناوين الصحف العالمية بوصفها أصغر مؤسسة في وادي السيليكون. قدمت وعدا ثوريا.. تحليل عشرات الأمراض من نقطة دم واحدة. اصطف كبار المستثمرين خلفها، وتنافس الإعلام على إبرازها في المؤتمرات واللقاءات كقائدة استثنائية تعيد تشكيل مستقبل الطب من خلال التكنلوجيا، حتى أصبحت مليارديرة، ورمزا لنجاح مبكر، وصورة براقة لطموح لا حدود له.

لكن خلف هذا الوهج، لم يكن هناك إنجاز حقيقي. التقنية لم تعمل، والنتائج لم تكن موجودة، ورغم ذلك استطاعت هولمز - لعقد كامل تقريبا - أن تحافظ على صورتها اللامعة وحضورها الإعلامي القوي فحاولت إبراز نفسها كـ(ستيف جوبز) أحد مؤسسي آبل، وأن تحيط نفسها بهالة من الرمزية والثقة الظاهرية المفتعلة، ومع أول مواجهة جادة مع الحقيقة، سقط القناع سريعا، وانتهى الأمر بحكم قضائي بسجنها 11 عاما، وهي حالة تستدعي التأمل والدراسة.

كان سقوطها سقوط صورة تضخمت أكثر مما ينبغي، حتى فقدت القدرة على حمل وزنها. هذه القصة تفتح سؤالا إنسانيا عميقا: ما الذي يدفع الإنسان إلى التشبث بالصورة حتى بعدما ينفصل عنها الواقع؟ هل يحاول إقناع الآخرين؟ أم يحاول حماية نفسه من حقيقة لم يعد قادرا على مواجهتها؟

من منظور علم النفس، ما نراه ليس «حب ظهور»، بل آلية دفاعية تسمى التضخيم التعويضي. وهو أن يلجأ الفرد إلى تضخيم صورته الخارجية عندما يشعر داخليا بتراجع قيمته أو دوره. كلما بدأ الشعور بالضعف يتسرب إلى الداخل، ازداد التمسك بالضوء في الخارج؛ وكأن الإنسان يحاول ترميم صدع داخلي بهالة لامعة تخفي ما يتداعى خلفها.

في هذه اللحظات، تتسع الفجوة بين الذات الحقيقية والذات المتخيلة، بين ما ينجزه الإنسان فعليا، وما يتمنى أن يراه الناس عنه. ومع اتساع هذه الفجوة، يصبح الشغل الشاغل هو.. «كيف أبدو؟» بدلا من.. «ماذا أقدم؟» وتتحول الصورة تدريجيا من وسيلة إلى غاية، ومن انعكاس للإنجاز إلى بديل عنه. وفي الوقت الذي يزداد فيه الظهور، يقل العمق، وتزداد الحاجة إلى مزيد من الضوء كي لا يظهر الفراغ. هذه الظاهرة - حين تصل إلى بيئات العمل - تترك آثارا نفسية وسلوكية واضحة.

من أهمها: ظهور مفرط دون مضمون حقيقي، حيث يصبح الوجود أهم من الإسهام. حساسية عالية تجاه النقد؛ لأن النقد يهدد الصورة التي يحاول الفرد حمايتها. الانشغال بالشكل والانطباع أكثر من الانشغال بجوهر العمل. توتر في العلاقات مع الزملاء الذين يدركون الحقيقة خلف الصورة، ويقرؤون التناقض بين الضوء الظاهر والدور المتراجع.

هذه المؤشرات ليست علامات قوة... بل رسائل مبطنة تشير إلى صراع داخلي يحاول الإنسان إخفاءه خلف طبقات من البريق.

ومع ذلك، يمكن التعامل مع هذا النمط بذكاء مهني وإنساني في آن واحد. فالمسألة لا تتعلق بإدانة الشخص، بل بمساعدته على العودة إلى أرض صلبة تعيده إلى ذاته.

ومن أهم الأساليب العملية.. أولا: إعادة توجيه البوصلة نحو العمل الحقيقي، فكلما تحقق شيء على الأرض، لم تعد الصورة ضرورة ملحة. ثانيا: وضع معايير واضحة وشفافة، تجعل التقييم مبنيا على أثر لا على ظهور، فالوضوح يعيد ترتيب الأولويات تلقائيا. ثالثا: تقديم تغذية راجعة ذكية وغير صدامية، فالهجوم على الصورة يجعل صاحبها أكثر تمسكا بها. رابعا: فتح مساحات للنمو الحقيقي، تمنح الإنسان أرضا يقف عليها، بدلا من الاعتماد على الضوء وحده. خامسا: تذكير النفس - والجميع - بأن القيمة تبدأ من الداخل؛ وأن الصورة مهما لمعت لا تستطيع أن تنقذ صاحبها من مواجهة الحقيقة حين يحين وقتها.

في نهاية كل يوم، وبعد أن تطفأ الأضواء وتغلق المنصات وتختفي الأصوات، يبقى الإنسان وحده أمام مرآته.. لا تصفيق، لا كاميرات، لا جمهور.. هناك فقط ذلك الصوت الهادئ يسأله: هل كنت أقترب من حقيقتي... أم أهرب منها؟
فالضوء المصنوع يبهت سريعا، أما النور الذي يخرج من الداخل، فلا يطفئه أحد.

DrFahadAbd@

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق