نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
فصل في فقه التعزية وآداب التعازي, اليوم الأحد 4 يناير 2026 02:17 صباحاً
ليست التعزية مجرد جملة تقال، بل عبادة مواساة تترجم الرحمة في السلوك قبل اللفظ، وفقه التعازي لا يقوم على «المراسم»، بل على موازين واضحة، أهمها: رفع الحرج عن أهل المصاب، وحفظ سكينة المشهد، وتهدئة القلوب لا استنزافها.
بداية.. الأرفق أن تكون التعزية بعد الدفن، كما ذهب إلى ذلك جمهور الفقهاء، لانشغال أهل الميت بالتجهيز، وبعض الفقهاء أجاز التعجيل، لتثبيت الفؤاد، وتهدئة الجزع، بشرط الاختصار وعدم إرباك أهل المصاب؛ أما ما يتصل بتكرار الصلاة على الجنازة، فهذه مسألة فيها سعة معتبرة؛ فالسادة الشافعية أجازوا تكرارها «تنفلا»، سواء ممن صلى أو لم يصل عليها، والسادة الأحناف منعوا ذلك، وكره التكرار السادة المالكية والسادة الحنابلة؛ ومثلها مسألة «الجلوس للتعزية» بعد يوم الدفن؛ فكرهها السادة الأحناف، والسادة الشافعية، والسادة الحنابلة، وأجازها السادة المالكية؛ وتحديد أيام للعزاء أعراف تنظيمية وضعها الناس، ولا تخطأ مدينة بعرف أخرى، ولا جماعة بجماعة؛ ولأهل المصاب أن يختاروا الأيسر لهم؛ والتوسعة في الزمن، كذا في الأيام قد يحقق المقصود ويقلل الحرج، وتضييق الوقت، والاقتصار على أيام أقل من المعتاد، يزيد المشقة؛ وما اشتهر على الألسنة من قول بعضهم «لا عزاء بعد ثلاث»، غير صحيح، فالتعزية لا تربط بزمن يمنعها، ومن كان له عذر، له أن يعزي ويؤجر على ذلك، والتحديد بثلاثة أيام هو في إحداد المرأة على غير زوجها.
من أهم آداب التعازي، ملاحظة أن صف استقبال المعزين إذا طال، وازدحم، انقلب من «مواساة» إلى «إنهاك»؛ ومشاركة المحبين من «الأباعد» في الصف محمودة ومقدرة، شريطة عدم «الاستيفاء الشكلي»، وفي كل الأحوال ترتيب السن في الصف مقدم، ومن يريد أن يشارك يبكر، ولا يتأخر، ويسأل ربه الإخلاص؛ ومهم جدا إدراك أن العزاء ليس اختبارا لطقوس المصافحة ولا لمدد الوقوف؛ فالمعزي له أن يضع يده على كتف من يعزي، أو يصافح، ويلزم الاقتصار على ما يليق بمقام الحزن، والبعد عن «التقبيل» المستخدم في الأفراح، وعلى الصف كذا المعزين عدم الانشغال بالحكي والأسئلة، فالعزاء مقام مواساة لا تفقد أحوال، ولا بد من الانتباه إلى كراهة «الشريعة» لجعل التعزية عادة يومية بلفظها وهيئتها؛ كما نص على ذلك حديث: «التعزية مرة»، لا لأن المؤانسة مذمومة، بل لأن المقصود حصل بالمرة الأولى، ومن أحب أن يكرر حضوره للخدمة والأنس فحسن، لكن دون إعادة «مشهد التعزية».
أخيرا.. قضية الغداء أو العشاء في العزاء؛ إن قدر الإطعام، فليكن بلا إسراف، وبلا تحميل لأهل الميت، وبلا تحويل العزاء إلى مناسبة ضيافة، والأشد إنكارا تقسيم الموائد إلى طبقات، أو تمنع منها فئات؛ ومن أنفع البدائل تحويل تكاليف ذلك إلى منصات وحملات خيرية معتمدة، أو صدقات جارية كالمصاحف ونشر العلم؛ وفي كل الأحوال لا بد أن يكون معلوما للكل أن ما يتصل بالعزاء، غير تجهيز الميت وقضاء ديونه، لا يؤخذ من التركة إلا بوصية أو برضا الورثة أجمعين؛ كما أنه لا يصلح تحويل أماكن العزاء إلى منصات وعظ؛ فالموت في ذاته موعظة بالغة، ومن أراد فعليه الاختصار، وعدم التأثير على سير العزاء، أو إلزام بالاستماع؛ فلكل «وقت أذان»؛
وأختم بأن الأعراف تتبدل، وليست وحيا منزلا، وهي ترتيبات بشرية تخضع لتحقيق المصلحة ودفع المفسدة، ولن يفهم ذلك على وجهه إلا «حصيف»، يدرك معنى قاعدة أن «الفتوى تتغير بتغير الأعراف والعادات»؛ وأن هذا إن كان في الفتوى، فهو في أمور الدنيا أحرى وأولى.

















0 تعليق