النرجسية... من مفهوم علمي إلى سلاح اجتماعي

مكه 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
النرجسية... من مفهوم علمي إلى سلاح اجتماعي, اليوم الأحد 21 يونيو 2026 11:14 مساءً

لم تعد بعض النقاشات الزوجية تبدأ بمحاولة فهم الخلاف أو احتواء الموقف، بل باتت تنتهي سريعا إلى توصيفات نفسية جاهزة تلقى على الطرف الآخر بثقة كاملة، وكأن العلاقات الإنسانية تحولت إلى جلسات تشخيص مفتوحة، فكلمة حادة، أو اختلاف في الرأي، أو رغبة في الانفراد بالقرار، أو ضعف في التعبير العاطفي، قد يكون كافيا أحيانا لأن يوصم الرجل مباشرة بأنه (نرجسي)، دون تمييز بين اضطراب نفسي معقد، وبين طبائع بشرية متفاوتة، أو أخطاء يومية عابرة تحدث داخل أي علاقة إنسانية.

خلال السنوات الأخيرة خرجت بعض المصطلحات النفسية من فضائها العلمي الدقيق إلى التداول الجماهيري الواسع عبر المنصات الرقمية، حتى أصبحت تستخدم بوصفها أحكاما اجتماعية سريعة أكثر من كونها مفاهيم تخصصية تحتاج إلى فهم وتشخيص وضوابط مهنية، حيث لم يعد الناس يتحدثون عن الخلافات بقدر ما يتحدثون عن (النرجسية)، و(السمية)، و(التلاعب)، و(العلاقات المؤذية)، وكأن الحياة الزوجية تحولت إلى مساحة مراقبة وتحليل دائم، يعاد فيها تفسير كل تصرف من زاوية نفسية حادة ومتوترة.

والمشكلة هنا لا تكمن في الوعي النفسي نفسه؛ فالمعرفة النفسية الرصينة تسهم في فهم الإنسان، وتحسين العلاقات، وحماية الأفراد من الأذى الحقيقي، غير أن الخلل يبدأ حين تختزل المفاهيم العلمية المعقدة في مقاطع قصيرة وبثوث يومية تقدم تشخيصات عامة وسريعة، يتلقاها الجمهور بوصفها حقائق نهائية قابلة للتطبيق على الجميع. وهنا يفقد المصطلح عمقه العلمي، ويتحول تدريجيا إلى أداة اجتماعية تستخدم أثناء الغضب والخلاف والانفعال، أكثر مما تستخدم في الفهم والمعالجة.

لقد أسهم بعض صناع المحتوى، ممن يخلطون بين التوعية والإثارة، في تضخيم هذا المناخ؛ إذ تطرح العلاقات أحيانا بلغة تجعل الشك هو الأصل، والتوجس هو القاعدة، والخطأ العابر مؤشرا على خلل نفسي خطير، ومع كثافة هذا المحتوى بدأت بعض النساء - وكذلك بعض الرجال - ينظرون إلى شركائهم بعين التشخيص المستمر، لا بعين الفهم الإنساني الطبيعي، ومن هنا تصبح العلاقة مرهقة، لأن أحد الطرفين لا يعود يناقش السلوك نفسه، بل يناقش (هوية نفسية) كاملة ألصقت بالطرف الآخر.

والنرجسية بوصفها مفهوما نفسيا، ليست وصفا عابرا لكل شخصية قوية أو حازمة أو مختلفة في أسلوب التعبير، كما أنها ليست تهمة جاهزة تستخدم كلما غابت الرومانسية المثالية، أو تعثر التواصل، أو ظهر التقصير البشري المعتاد، فالعلاقات الإنسانية بطبيعتها معقدة، وفيها تفاوت في الطباع، واختلاف في طرق الحب والتعبير والانفعال، ولا يمكن اختزالها في مقاطع مختصرة تقدم الحياة وكأنها معادلات نفسية حاسمة وسهلة.

والأخطر من ذلك أن بعض المنصات باتت تعيد تشكيل صورة الرجل داخل الوعي الجمعي بصورة مضطربة؛ إذ يقدم أحيانا بوصفه مشروع أذى محتمل يجب الحذر منه وتحليل سلوكياته باستمرار، ومع تراكم هذا الخطاب تتآكل مساحة التلقائية والثقة داخل العلاقة الزوجية، ويحل محلها نوع من الترصد النفسي الذي يفسر كثيرا من التصرفات خارج سياقها الطبيعي، ومن هنا تتحول المعرفة النفسية من أداة للفهم إلى مصدر إضافي للقلق والتوتر والانقسام.

ولا يمكن تجاهل مسؤولية بعض الحسابات التي تقدم محتوى نفسيا أو أسريا دون تأهيل كاف، أو التي تتعامل مع المفاهيم العلمية بوصفها أدوات جذب جماهيري تحقق الانتشار والتفاعل، فالمصطلحات النفسية حين تبتذل إعلاميا تفقد قيمتها العلمية، وتتحول إلى (ملصقات اجتماعية) جاهزة، تستخدم في الخصومات أكثر مما تستخدم في الإصلاح، وهذا يضر بعلم النفس نفسه قبل أن يضر بالعلاقات الإنسانية.

إن المجتمع بحاجة فعلية إلى الوعي النفسي، وإلى المختصين الحقيقيين، وإلى بناء ثقافة صحية تحمي الإنسان من الأذى والتلاعب والاضطرابات المؤذية، غير أن الوعي الحقيقي لا يقوم على التخويف، ولا على تحويل الناس إلى متهمين نفسيين، ولا على إقناع الأزواج بأن كل خلاف دليل مرض، أو أن كل تقصير علامة نرجسية، فالحياة البشرية أوسع وأعقد وأكثر رحمة من هذا الاختزال الحاد.

وما تحتاجه الأسرة اليوم ليس مزيدا من التشخيصات الجماهيرية، بل مزيدا من النضج، والاتزان، والفهم الهادئ للطبيعة الإنسانية، فبعض المصطلحات حين تخرج من سياقها العلمي، وتدخل إلى ساحات الانفعال اليومي، قد تتحول من أدوات للوعي إلى أسلحة اجتماعية تستخدم بلا رحمة، وتترك داخل البيوت ندوبا أعمق بكثير مما نتخيل.

أخبار ذات صلة

0 تعليق