نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
حين تختبر كرامة الإنسان عند الرصيف, اليوم الأحد 4 يناير 2026 02:17 صباحاً
وفي أحد الأيام قصد شركة خاصة لإنهاء معاملة أو حضور اجتماع لا يستغرق أكثر من دقائق، وصل إلى المبنى فوجد المدخل الرئيسي بلا منحدر! والباب الجانبي المخصص لذوي الإعاقة مغلقا! انتظر، ثم طلب المساعدة، ثم اعتذر عن الإزعاج، مع أن المكان من المفترض أن يكون مهيأ له من الأساس.
خرج عبدالله من المبنى بعد إنهاء مهمته، لكن شعورا ثقيلا رافقه: لم تمس كفاءته، ولا استقلاله، بل مست كرامته. هنا تتضح الحقيقة المؤلمة؛ أن الإعاقة ليست في الجسد، بل في بيئة لم تصمم لتحتضن الجميع. ومن هذه القصة يبدأ الحديث، لأن كرامة الإنسان فوق كل اعتبار، ولا ينبغي أن تكون مشروطة بوجود مرافق أو طلب مساعدة.
ما حدث مع عبدالله ليس حالة فردية، بل نموذج يتكرر يوميا بأسماء مختلفة. وما زالت البنية التحتية المخصصة لذوي الإعاقة في المباني الخاصة والعامة دون مستوى الطموح، رغم ما تشهده مدننا من تطور عمراني وخدمي متسارع. هذا الحديث لا يهدف إلى التقليل من الجهود، ولا إلى تجاهل المنجزات، لكنه توصيف واقعي لمشهد يراه من يعيش التجربة، لا من يكتفي بمراجعة المخططات.
ذوو الإعاقة لا يطالبون بامتيازات، بل بحقوق أساسية تضمن لهم الاستقلال والاحترام. من حقهم أن يدخلوا أي مبنى دون التفاف، وأن يعبروا الرصيف دون خوف، وأن يستخدموا المرافق العامة والخاصة دون أن يشعروا بأنهم استثناء. حين تجبر إنسانا على طلب المساعدة في أبسط تفاصيل حياته، فأنت لا تقيد حركته فقط، بل تنتقص من كرامته.
الواقع يؤكد أن كثيرا من الأرصفة والمداخل غير مهيأة، إما لغياب المنحدرات، أو لسوء تنفيذها فتكون شديدة الانحدار، ومسارات للمكفوفين تنتهي فجأة، ومواقف مخصصة تستباح بلا رادع، وأبواب دورات مياه لا تسع دخول عربة المعاق.
هذه التفاصيل هي ما واجهه عبدالله وغيره، وهي ما يحول المدينة من مساحة آمنة إلى ساحة اختبار يومي للصبر.
المشكلة لا تكمن فقط في نقص التجهيزات، بل في ضعف التخطيط والرقابة. تنفذ مشاريع لتستكمل شكليا، دون أن تختبر فعليا من مستخدميها الحقيقيين. إشراك ذوي الإعاقة في تقييم المشاريع قبل اعتمادها ليس خيارا إضافيا، بل ضرورة تفرضها العدالة والكفاءة معا.
القطاعان العام والخاص يتحملان مسؤولية مباشرة في هذا الملف، من منطلق الأمانة لا الاتهام. الانتقال من "الحد الأدنى" إلى الجودة الحقيقية هو ما يصنع الفارق بين مبنى جميل على الورق، ومدينة (صديقة لذوي الإعاقة )على الأرض.
ولا يكتمل المشهد دون وعي مجتمعي يحترم هذه الحقوق، فتطبيق الأنظمة بعدل وحزم ليس تشددا، بل حماية لحق إنساني لا يحتمل المجاملة.
في النهاية، قصة عبدالله ليست استثناء، بل مرآة لواقع يحتاج إلى تصحيح (مدينة) لا تقاس بمشاريعها الكبرى فقط، بل بقدرتها على صون كرامة كل إنسان فيها.
ذوو الإعاقة جزء أصيل من المجتمع، وتمكينهم الحقيقي يبدأ من الإيمان بأن كرامة الإنسان فوق كل اعتبار، وأن أي بنية تحتية لا تحمي هذه الكرامة هي بنية ناقصة مهما بدت مكتملة.

















0 تعليق